تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليهم ما يلبسون} (الأنعام: 9) أذكر من هذا البحث ما نصه:

(والمختار عندنا أن البشر في حالتهم العادية غير مستعدين لرؤية الملائكة

والجن في حالتهم التي خلقوا عليها، كما قال تعالى في الشيطان: {إنه يراكم هو

وقبيله من حيث لا ترونهم} (الأعراف: 27) لا لأنهم لا يطيقونها لهولها، بل

لأن أبصار البشر لا تدرك كل الموجودات بل تدرك في عالمها هذا بعض الأجسام

كالماء، وما هو أكثف منه من الأجرام الملونة دون ما هو ألطف منه كالهواء، وما

هو ألطف منه كالعناصر البسيطة التي يتألف منها الماء والهواء، والملائكة والجن

من عالم آخر غيبي ألطف مما ذكر، وهذا العالم مما يعده المتكلمون في الفلسفة

وراء عالم المادة، وليس عند المتكلمين عالم غير مادي ولذلك يعدون الملائكة

والجن من الأجسام اللطيفة، ويقولون إنهم قادرون على التشكل في صور الأجسام

الكثيفة، فمثل تشكلهم كمثل تشكل الماء في صورة البخار اللطيف والبخار الكثيف

(كالسحاب) وصورة المائع السيال وصورة الثلج الجليد؛ ولكن الماء يتشكل بما

يطرأ عليه من حر وبرد بغير اختيار منه، وذانك يتشكلان باختيارهما إذ جعل الله

لهما سلطانا على العناصر التي تتركب منها مادة العالم أقوى من سلطان البشر الذين

يتصرفون فيها بأيديهم لا بأنفسهم وماهياتهم، فهم لا يقدرون على تحليل أبدانهم

وتركيبها مع غيرها من المواد، فإذا تمثل الملك أو الجان في صورة كثيفة كصورة

البشر أو غيرهم أمكن للبشر أن يروه؛ ولكنهم لا يرونه على صورته وخلقته

الأصلية بحسب العادة وسنة الله في خلق عالمه وعالمهما، فإذا وقع ذلك كرؤية

النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل مرتين كان من خوارق العادات، والخوارق لا

تثبت إلا بنص؛ لأنها خلاف الأصل، على أن رؤيته بصورته لا ينافي التشكل،

إذ يجوز أن تكون مادة صورته اللطيفة التي لا ترى قد ظهرت بمادة كثيفة، فيكون

التشكل في هذه الحالة بمادة جديدة مع حفظ الصورة الأصلية، والتشكيل في غيرها

بالمادة والصورة معا، وعلى أن لأرواح الأنبياء من التناسب مع أرواح الملائكة ما

ليس لغيرها، ففي الحال التي تغلب بها روحانيتهم على جثمانيتهم يكونون كالملائكة،

فيجوز أن يروهم بأي صورة وشكل تجلوا لهم فيه) اه.

الشاهد السادس

كتبت في ص 162 وما بعدها من جزء التفسير السابع بحثا آخر في تشكل

الملائكة والجن في الصورة ورؤيتهم في هذه الحالة، وفيه إثبات رؤية النبي صلى

الله عليه وسلم لغير جبريل من الملائكة ورؤية بعض الشياطين.

الشاهد السابع

قلت في تفسير {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله

يسجدون} (الأعراف: 206) وهي آخر آية من سورة الأعراف ما نصه: أي

أن ملائكة الله المقربين الذين هم عنده كحملة عرشه والحافين من حوله ومن شاء

تقدس وتعالى بهذه العندية الشريفة التي لا يعلمها سواه وهم أعلى مقاما من الملائكة

الموكلين بالمخلوقات وتدبير نظامها لا يستكبرون عن عبادته ... إلخ، فراجعه في

(ص 558 من جزء التفسير التاسع) .

ولو شئت أن أذكر جميع الشواهد من تفسير المنار على أن الملائكة خلق

روحاني مستقل قائم بنفسه، وأنهم أنواع أولو عبادات مختلفة وأعمال كثيرة لا

يحيط بها إلا خالقها، وأن الإيمان بها واجب، وإنكارها كفر لازب لمل القارئ لها.

وهذه الشواهد نصوص قاطعة في ذلك بدحض المفتري لهذه البهيتة التي أراد

بهتنا بها من إبهام المطلع على كلامه أننا ننكر حقيقة الملائكة ونجعلهم أعراضا

لغيرهم، ونقفي عليها بدحض شبهات علينا من كلام الأستاذ الإمام يشتمل على

شواهد أخرى من كلامه وكلامنا أخرناها لمناسبتها لها.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

المقال السادس

شبهة الطاعن المحرف في مسألة الملائكة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٣٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٣٣٢