الذي طلبته؛ وإنما المراد من الصلح عدم العود إلى طعن أحد في شخص الآخر
بتجهيل ولا غيره، وإنهما يرغبان إلي ترك الرد إلى أن نجتمع به ونبرم الصلح،
فوعدته بذلك.
ثم جاءني في ضحوة اليوم الرابع من الشهر الأستاذ الشيخ محمد حامد الفقي
رسول المفتي الأول وقال إن فضيلة الأستاذ المفتي يقرئك السلام ويخبرك بأنه كلم
الأستاذ الشيخ يوسف الدجوي فيما اتفقتما عليه من أمر الصلح وشرطه فرضي به،
ووعد بأن يكتب هو في مجلة نور الإسلام عبارة يعترف فيها بخدمة المنار للإسلام
ومواقفك المحمودة فيها، وإن الاجتماع لعقد الصلح سيكون بدار فضيلته بعد عيد
الجلوس الملكي؛ لأنهم سيسافرون كلهم إلى الإسكندرية لأجله.
ثم بلغني المفتي في يوم الثلاثاء الحادي عشر من الشهر دعوته إيانا إلى الغداء
في داره، لأجل الصلح في يوم الخميس الثالث عشر منه فأجبت، ثم أرسل إلي
سيارته بعد الظهر من ذلك اليوم فوجدت عنده أصحاب الفضيلة الأساتذة الشيخ فتح
الله سليمان نائب المحكمة الشرعية العليا، والشيخ أحمد حسين مفتي وزارة الأوقاف،
والشيخ محمد الخضر رئيس تحرير مجلة نور الإسلام، والشيخ طه حبيب المدرس
بالأزهر والمحرر في مجلة نور الإسلام، والشيخ محمد حامد الفقي من علماء الأزهر
وخطباء المساجد، وكان معي ابن عمي السيد عبد الرحمن عاصم، وبعد وصولنا
بقليل جاء الأستاذ الشيخ يوسف الدجوي فقمت له مع القائمين وصافحته،
واعتذر الأستاذ الأكبر عن الحضور بالتياث صحته، ولم نلبث أن قمنا إلى المائدة
النفيسة الدالة على سخاء صاحبها وحسن ذوقه.
وبعد الطعام خرجنا إلى حجرة القهوة والحديث، فافتتح فضيلة المفتي الكلام
بالشكر لنا على قبول دعوته إلى طعامه، وإلى ما هو خير منه وهو الصلح بين
المجلتين الإسلاميتين والمحررين لهما، وقال إن مجلة المنار تخدم الإسلام خدمة
جليلة منذ خمس وثلاثين سنة ولصاحبها فلان من البلاء والجهاد في هذه السبيل ما
عرف له فضله فيه جميع العالم الإسلامي، وأصبح لمجلته مركز عظيم في نفوس
المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ومجلة نور الإسلام قد أنشئت أيضا لأجل
هذه الخدمة للإسلام بعينها وتتولى إصدارها ونشرها أكبر هيئة دينية إسلامية،
فالموضوع واحد والقصد واحد، والحاجة إلى التعاون بينهما شديدة، وخصوم
الإسلام من الملاحدة ودعاة النصرانية (المبشرين) والفاتنين للعامة بإباحة الفسوق
والشهوات كثيرون، فالمصلحة الإسلامية قاضية بتوحيد عملهما، وفضيلة الأستاذ
الشيخ يوسف الدجوي يخدم الإسلام بعلمه وبالتحرير في مجلة نور الإسلام، فأجدر
بالشيخين وبالمجلتين أن يتحدا ويكونا إلبا واحدا على العدو المشترك، وقد شجر
بينهما من الخلاف ما أسف له الجميع، وغرضنا من هذا الاجتماع أن يتصافحا
ويتصافيا ويتناسيا الماضي المؤسف، فهذا ما يهمنا ويهم كل مخلص للدين وأهله.
هذه خلاصة ما فاه به الأستاذ المفتي، وتلاه الأستاذ الدجوي فقال إنه لا بد من
ذكر سبب الخلاف والشقاق وما يبنى عليه الصلح، وهو أن يكف الشيخ رشيد
إخوانه أو جماعته الوهابيين عن تكفير المسلمين وحملهم على عقائدهم أو مذهبهم
بالقوة واستباحة دمائهم، ويكف أتباعه - أو قال أذنابه - عن الكتابة في الصحف
وغيرها، وطفق يفيض في هذا الموضوع فعارضه المفتي قائلا نحن لا نريد نبش
الماضي وبعثه من قبره بل نريد دفنه وتناسيه، ولا شأن لنا الآن بالوهابية ولا
بغيرهم؛ لأننا لا نحاول الصلح والاتفاق لمصلحة جماعة دون جماعة ولا هيئة دون
هيئة، بل نريد مصلحة المسلمين جميعا، على أن يخدم كل منكما الإسلام بما يعتقده
من غير أن يمس كرامة الآخر.
حينئذ قلت: أما وقد قال الأستاذ الدجوي ما سمعتم فلا مندوحة لي عن جوابه
لأن الاتفاق والتعاون يتعذر مع سوء ظن كل منا بالآخر.
قد سمعتم ما يقول في الوهابية وما يرميهم به وأنه يعدني منهم مع سوء اعتقاده