في علمائهم المدرسين من يفتي بكفر من يستشكل حديثا صححه أحد المحدثين ولا
سيما الشيخين رضي الله عنهما، ويلتمس لنفسه مخرجا من الإشكال، وقلما كان
أحد منهم يجترئ على سؤال شيوخه الجامدين عن ذلك لئلا يرموه بالكفر.
مثال ذلك أنه يوجد في الصحيحين وغيرهما حديث مرفوع خلاصته أن الشمس
تذهب حين تغرب في آخر النهار فتغيب عن الدنيا وتصعد، فتسجد تحت العرش،
ثم تستأذن ربها بالطلوع في اليوم التالي، فيأذن لها فتطلع وأنه سيأتي وقت تستأذن
فيه فلا يؤذن لها، ثم تؤمر بالطلوع من مغربها.
استشكل هذا الحديث كبار علماء الإسلام المتقدمين والمتأخرين، ولا سيما
الذين عرفوا علم الفلك والمواقيت والجغرافية بأنه مخالف للحس وما تقرر في علم
الهيئة الفلكية، وصرح إمام الحرمين الشهير في القرن الخامس بما يصرح به
علماء هذا العصر من أن الشمس في كل وقت تغرب عن قوم وتطلع على قوم ...
إلخ؛ ولكن لا يزال في علماء الأزهر وغيرهم من يفتي بكفر من لا يؤمن بظاهر
الحديث ويسمونه مكذبا لله ولرسوله! صرح بذلك الشيخ يوسف الدجوي في مجلة
الأزهر الرسمية، ولما تنكر ذلك عليه مشيخة الأزهر المسئولة عن هذه المجلة،
فكيف يستطيع الموقن بأن الشمس لا تغرب عن الأرض طرفة عين أن يكون مسلما
على رأي هؤلاء العلماء؟ وجميع طلبة الأزهر الذين يدرسون فيه علم الجغرافية
يوقنون بأن الشمس لا تغيب عن الأرض طرفة عين، وجميع المتعلمين في
المدارس النظامية موقنون بهذا، ومنهم أمراؤنا وحكامنا ومحررو صحفنا أجمعون
أكتعون أبصعون.
وإنني قد ذكرت في المنار وفي تفسيره علة علمية تنفي صحة سند الحديث
على طريقة المحدثين ومخرجا من دلالة متنه على ما ينافي الحس لم أر أحدا وفق
لهما قبلي، وسأذكرها في الرد العلمي على مجلة المشيخة.
كان الأستاذ الإمام مرجعا لكل من يعرض له إشكال أو شبهة في دينه، ومن
خطة المنار التي جرى عليه من أول نشأته التصدي لدحض الشبهات وحل المشكلات
الدينية والعقلية والعلمية بالأدلة الجامعة بين المعقول والمنقول.
وقد علمنا أن بعض الجامدين كان يطعن علينا بما نكتبه لنحفظ على المشتبهين
والمستشكلين إيمانهم بصحة كل ما جاء في كتاب الله وما صح عن رسوله صلى الله
عليه وسلم من أمر الدين، وحملني هذا على أن أنشر في أول كل جزء من مجلد
من مجلدات المنار إعلانا أدعو فيه العلماء وغيرهم إلى الكتابة إلي بما يرونه منتقدا
فيه من المسائل الدينية وغيرها، مع الوعد بأن أنشر ما يرسلونه إلي بشرط أن
يقتصر فيه على المسائل المنتقدة والدليل على ما يراه الكاتب من الخطأ فيها من
غير زيادة ولا استطراد، وأبين رأيي فيه، وما زلت أفي بما وعدت.
كبر على الجامدين والخرافيين اشتهار مجلة المنار في العالم الإسلامي وما
يرونه فيها من استفتاء مسلمي الشرق والغرب إياها في كل ما يشكل عليهم من أمر
دينهم، ولا سيما شبهات الماديين والمبشرين وغيرهم، وكبر عليهم نشرنا لمناقب
الأستاذ الإمام وإصلاحه وتجديده للإسلام فيها وفي تفسير المنار وفي التاريخ العظيم
الذي دونا فيه مناقبه في ثلاثة مجلدات بلغت صفحات الجزء الأول منها 1134
صفحة ما عدا المقدمة وصاروا لا يدرون كيف يقاومونها.
تصدى الأستاذ يوسف الدجوي منذ بضع عشرة سنة (1335) للطعن على
الأستاذ الإمام والتحرش بالمنار، فبدأ بنشر مقالات في جريدة الأفكار في الإنكار
على ما نشرناه في تفسير قوله تعالى: ﴿خلقكم من نفس واحدة﴾ (النساء: 1)
من أن النفس الواحدة ليست نصا في أبينا آدم عليه السلام، وأنه إن فرض ثبوت
قول الذين يقولون إن للبشر عدة أصول أو نظرية دارون في اختلاف الأنواع؛ فإن
القرآن يبقى على عصمته لا ينقضه شيء، هذا مجمل ما قرره شيخنا الأستاذ الإمام
في الأزهر وقرره قبله أستاذنا العلامة الشيخ حسين الجسر في كتابه الرسالة