وإن أهل سورية وفلسطين لأشد شعورا من أهل مصر بحاجتهم إلى الاتفاق والوحدة
فجميع زعمائهم يدعون إليهما إذا كان سعد باشا قد انفرد بقوة وفده بإتمامهما في
مصر، وإن للجميع من تاريخ الدول العربية خير قدوة فيه.
أيها الإخوان في القومية العربية:
إن الغلو في العصبية الدينية لم تعرفه البلاد العربية ولا الأمة العربية إلا مما
بثته فيها الحرب الصليبية ثم المدارس الأوربية، فقد كانت المدارس هي التي دست
سم التفريق والتعادي في دسم العلم والحضارة الغربية؛ لأن الذين تعلموا في مدارس
الإفرنج أحسنوا الظن بهم، وجهلوا مقاصدهم منهم، وسبب ذلك أنه لم يكن لهم
دولة رشيدة ولا جمعيات قومية توجه أولادهم إلى التربية والتعليم الذي يعزز الدولة
وينهض بالأمة؛ وإنما كان الرجل يعلم ولده لأجل الاستعانة بعلمه على أسباب
المعيشة.
وكان المستعمرون ودعاتهم الذين ربوهم وعلموهم يظنون أن بلادنا إذا آل
أمرها إليه بسقوط الدولة العثمانية فإن أهلها يكونون من أغنى الناس وأعز البشر،
لا فرق بينهم وبين الإفرنج محرريهم في شيء، وكانوا يبثون لهم هذه الدعاية،
فلما زال سلطان الدولة العثمانية عن البلاد ظهر لأولئك الدعاة ولسائر الناس أن
الدولة العثمانية كانت أبر وأرحم منهم؛ لأنها كانت إلى آخر عهد السلطان عبد
الحميد ترضى من البلاد بقليل من الضرائب وشيء من رشوة الحكام، وتترك لهم
الحرية في أديانهم ومذاهبهم ولغاتهم وقومياتهم وتربيتهم وتعليمهم وكسبهم، وما كان
في آخر العهد الحميدي من الضغط السياسي فسببه خوف السلطان على شخصه
وسلطته من أحرار قومه وأعوانهم.
وظهر لهم ولغيرهم أيضا أن هاتين الدولتين لا يتركان لأهل البلاد - التي
رزئت بنفوذهم وما سموه بالانتداب لمساعدتهم على استقلالهم - استقلالا، ولا ثروة
ولا قومية، ولا وطنا ولا حرية، ولقد رأينا ألينهما ملمسا في الاستعمار أشدهما
وطأة علينا في هذه البلاد المقدسة، فقد ابتدع انتدابها فيها بدعا من الظلم لم يسبقها
إليه أحد من الظالمين المستبدين، وهو هبة وطننا إلى أوزاع وأشتات من شعب ذي
أثرة وعصبية تستغيث منهما جميع شعوب الأرض، حتى إننا نرى أرقى هذه
الشعوب في كل علم وعمل وقوة وهو الشعب الألماني يخاف منه ويناوئه، فماذا
يرجو الشعب الفلسطيني الصغير الفقير الضعيف من البقاء معه؟ وأنى يأمن إخوانه
في شرق الأردن على أرضهم وديارهم ومعايشهم، وهم يعلمون أن أرض فلسطين
وحدها لا تكفي اليهود لتأسيس وطنهم القومي وإعادة ملك إسرائيل، فلا بد لهم من
شرق الأردن وما ضمه الانتداب إليها من أرض الحجاز، بل لا بد لهم من إعادة
ملك سليمان كله؟ ونحن أولى منهم بإعادة ملك العرب كله أو ما تقطنه الشعوب
العربية منه على الأقل؛ فإنه لا حياة لنا ولا بقاء فيما دون ذلك، بل لا حياة لنا في
أوطاننا التي نسكنها ونملك رقبة أرضها منذ قرون طويلة إلا باتحادها كلها،
وتعاونها على إحياء الحضارة العربية والعمران الذي تقتضيه علوم هذا العصر
وفنونه، وجعلها ركنا من أركان السلم العام، وهي أكبر خطر عليه الآن بضعفها
وطمع الطامعين فيها.
الجامعتان العربية والإسلامية
أيها القوم:
لا يطوفن في خاطر أحد منكم أن الجامعة الإسلامية التي كثر حديث الإفرنج
عنها وحسبانهم لها كل حساب تعارض ما قام عليه الدليل من وجوب الجامعة
العربية وتوقف حياتكم عليها، ولا ما يدعو إليه كثير من ساسة الشرق من وجوب
تأسيس جامعة شرقية أيضا؛ فإن كل جامعة من هذه الثلاث لها دائرة خاصة بها،
من حيث يؤيد بعضها بعضا في دفع عدوان الغرب عن الشرق كله.
يا قوم: إن الواضع لهذه السياسة الشرقية من جميع أركانها وجوانبها هو حكيم
الشرق الأكبر وموقظه من رقاده السيد جمال الدين الأفغاني، وكان معينه الأكبر
عليه وناشره بلسانه الفصيح القوال، وقلمه البليغ السيال شيخنا الأستاذ الإمام الشيخ