تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أوربة العاقلة المقتصدة لن تسمح لحكوماتها الطامعة بتجهيز جيوش صليبية جديدة

مجهزة بالآلات الحربية الحديثة لفتح جزيرتكم، والاستيلاء على الحرمين كما

استولوا على الثالث؛ وإنما يفعلون كل شيء من إذلالكم بكم، وانتزاع بقية

استقلالكم بأيديكم، كما قلنا آنفا لكم، وقلنا ذلك وكتبناه من قبل لقراء مجلتنا المنار

وتفسيرنا ولغيرهم في بعض الصحف.

ومما كتبناه في مباحث هذه المسألة خاصة ما رواه مسلم في صحيحه من حديث

ثوبان رضي الله عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله زوى

لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها،

وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة

عامة - أي القحط - وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم -

أي ملكهم وسلطانهم ومستقر قوتهم - وإن ربي قال لي: يا محمد، إذا قضيت

قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط

عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا،

ويسبي بعضهم بعضا) .

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما بشر به وأنذر، وما كان إلا

صادقا، وما كان خبره عن الله إلا حقا، فقد أعطى الله أمته كل ما وعدها، وما

سلب أعداؤها شيئا من بلادها، ولا سلطوا على شعب من شعوبها إلا بمساعدة

المسلمين أنفسهم إياهم على أنفسهم، كما يعلمه كل واقف على تاريخ الاستعمار،

وآخره استيلاؤهم على هذه البلاد العربية من فلسطين إلى العراق، فإلى متى تسكت

الأمة للخونة الذين رضوا أن يكونوا شر سلاح للأجانب تفتح بهم بقية بلادها،

لتقضي على البقية القليلة من ملكها؟

الأخوتان الدينية والقومية:

هذا وإنني أوصي إخواني في الدين وإخواني في القومية العربية والوطنية

بالحذر التام من التفريق بينهم بدسائس الأجانب الطامعين، وأعوانهم من الوطنيين

المنافقين المأجورين، والمتعصبين المغرورين، الذين يبغون التفريق بينهم

باختلاف الدين؛ فإن مصلحتهم القومية والوطنية واحدة، وقوميتهم واحدة، ولغتهم

واحدة، وإن المسلمين لا يرون في أخوة الدين الروحية ما يعارض أخوة القومية؛

لأن الله قد أثبتهما في كتابه العزيز، فقال في الأولى: {إنما المؤمنون إخوة

فأصلحوا بين أخويكم} (الحجرات: 10) وقال في الثانية: {كذبت قوم نوح

المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين} (الشعراء:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٦٤