للمستعمر السالب لسلطانهم الصحيح، ومجدهم التليد، فلعنة الله على أمثال هذه
الإمارات والوزارات والمناصب الصورية المدنسة برجس الخيانة، وعلى هذا
السحت الذي يبيعون به أوطانهم لأعدائهم.
وإن أمة يعيش فيها أمثال هؤلاء الخونة مكرمين مخدومين مزينين بألقاب
الجلالة والعظمة، والسمو والفخامة والسعادة لا يمكن أن تكون أمة عزيزة مستقلة،
بل لا بد أن يسلب منها ما بقي لها من استقلال ومال وشرف وحرية، إلا أن تتوب
إلى ربها، وتجتث شجرة الخيانة من بلادها كلها، فالأمة العربية مستمدة للحياة،
ولا تلبث بعد تطهيرها من هؤلاء الأنذال، أن يظهر فيها صلاح الدين فيقودها إلى
الوحدة ومجد الاستقلال.
لا أقول لكم عاقبوهم بمثل ما عاقبت وتعاقب به الأمم الحية أمثالهم، وما أشار
به حكيم الشرق وموقظه السيد جمال الدين الأفغاني قدس الله روحه في معالجة
فتنتهم، بل أقول إن ما دون ذلك من العقوبة الأدبية قد يفضي إلى تطهير الأمة من
رجسهم.
العقوبة الأدبية يملكها الكتاب والخطباء والشعراء والمصنفون والجمعيات
العلمية والأحزاب السياسية، فعلى هؤلاء كلهم أن يتعاونوا على تنفيذ العقوبة بما
ينظمون من القصائد والمقاطيع والأغاني الوطنية في تشهيرهم، وتشويه خيانتهم
وتسجيل اللعنة عليهم، وبما يقولون من الخطب في مثل هذا المحفل الحافل، وفي
الأندية والسمار والمساجد، وبما يكتبون من المقالات التاريخية والاجتماعية في
المجلات والجرائد، وبما يصنفون من الكتب والرسائل، وبما يلقنون من علم
الأخلاق والاجتماع لطلاب المدارس.
وأما الأحزاب السياسية فعليها فوق هذا أن تسعى لإسقاط سلطتهم، وتأليب
الأمة عليهم، وإحباط كل سعي في تأليف عصبية لهم في أي عمل من أعمالهم،
حتى لا يجدوا في الأمة رجلا قادرا على العمل يكون آلة للأجنبي المعتدي على
بلادها، أو آلة للآلة الخائن لها؛ فإن لبعض الأمور السلبية من التأثير والبلاء في
بعض الأحوال، ما لا يكون للحديد والنار.
أتدرون أيها الإخوان لماذا رفع الإنكليز الحماية عن مصر؟ إنهم لم يرفعوها
لما قتل الثائرون من رجالهم القليلين؛ وإنما رفعوها للثورة السلبية التي اتفق عليها
الموظفون في الحكومة بامتناعهم من حضور الدواوين، واشتغالهم فيها تحت سيطرة
الإنكليز، بل ما تسنى للإنكليز احتلال مصر إلا باستعداء حكومتها إياهم على
طلاب النصفة والإصلاح من شعبها، وبخيانة الخونة من باشاواتها لها (وقد بينا
هذا في تاريخ الأستاذ الإمام الذي هو التاريخ الوحيد للنهضتين المصرية والإسلامية)
ثم لم يتمكنوا من سلب نفوذ حكومتها وجعلها آلة صماء في أيدي مستشاريهم ومن
دونهم المفتشين وغيرهم، إلا بأيدي تلك الجماعة التي كانوا يسمونها مجلس النظار
أو الوزراء، وأطلق عليها شيخنا الأستاذ الإمام اسم (جمعية الصم البكم) .
وإنكم لتجدون أيها الإخوان للثورة السلبية في هذه الأيام مثلا أكبر وأوسع مما
كان في الثورة المصرية، وهو الثورة الهندية؛ ولكن ينقصها أن ساسة الأكثرين
من الوثنيين قد عجزوا عن إرضاء جميع الزعماء المسلمين، ولو اتفق الفريقان كما
اتفق المسلمون والقبط في مصر، لأمكنهم أن يعمموا ثورتهم السلبية بعدم التعاون
مع الإنجليز على أعمال الحكومة، وبعدم دفع الضرائب لها، وإذا لكان استقلال
الهند قاب قوسين أو أدنى.
أيها الإخوان - أيها العرب الكرام:
إنه لا خير لكم في هذا الاحتفال ولا فائدة لكم من هذه الذكرى لسلفكم، إلا إذا
استفزتكم للجهاد في حفظ ما بقي لأمتكم العربية من الاستقلال في جزيرتها، منبت
شجرتها، وموطن قوتها، ومصدر حضارتها، ومأرزها عند شدتها، وفي استرداد
ما فقد من بلادها، ولا تهولنكم عظمة المعتدين الحربية، ولا ثروتهم المالية؛ فإنكم
إذا جمعتم كلمة أمتكم، ووفقتم لنبذ الخونة الذين يقاتلكم الأجنبي بهم؛ فإن شعوب