كونه من أعظم أركان الإصلاح البشري الذي كان به الإسلام دين السلام، والتوحيد
الإنساني العام، الذي هو العلاج الترياقي لأدواء العداوة والبغضاء بين البشر التي
شكا منها الحكماء الأولون، ويشكو منها الحكماء الحاضرون.
حظ الترك من هذه الترجمة
إن الاهتداء بالقرآن منه ما هو فرض عين على كل مسلم من ذكر وأنثى،
كالقدر الذي لا تصح الصلاة بدونه، وما هو واجب أو مندوب (على ما بين الفقهاء
من الخلاف في مفهوم الفرض والواجب) في الصلاة لأجل كمالها، وفي غير الصلاة
من تدبره لتغذية الإيمان والعبرة والموعظة بما فيه من الترغيب والترهيب.
ومنه ما هو فرض كفاية كالعلم بما فيه من أصول الإيمان، وقواعد الإسلام،
وأنواع الأحكام، في العبادات والمعاملات والحظر والإباحة، والآيات البينات على
تلك الأصول والقواعد ولا سيما إعجاز القرآن.
ومنها ما هو من الفضائل والآداب، التي هي مزيد كمال في الدين.
فأما القسم الأول: فقلما يوجد مسلم تركي يجهله، فالترك شعب مسلم يعلمون
أولادهم متى دخلوا في سن التمييز فاتحة القرآن وبعض السور القصيرة بالعربية،
وكذا سائر أذكار الصلاة ويعلمونهم الطهارة الشرعية ويعودونهم الصلاة، كما يفعل
غيرهم من الشعوب الإسلامية عربها وعجمها، كما يعلمونهم معاني هذه التلاوة
والأذكار في الجملة، والذين يقصرون في تعليمهم معانيها من جهلة عوام القرى
والجبال لتعسره أو تعذره قد يسهل عليهم هذا التعليم في المكاتب والمدارس التي
تعنى حكومتهم بتعميمها لنشر لغتها وآدابها ودينها إذا ظلت إسلامية، ويمكن أيضا
أن يستفيدوها من الوعاظ والمرشدين الطوافين إذا لم تمنعهم الحكومة اللادينية من
ذلك، فإذا منعتهم كان منعها أظهر برهان على تعمدها إخراجهم من الإسلام.
ولعله لا يكاد يوجد فيهم أحد يعجز عن النطق بالفاتحة والسورة الصغيرة
بالعربية، فيأتي في حقه ما ذكره فقهاء الحنفية من القول بالصلاة بترجمتها وسقوط
وجوبها مدة العجز، كما يسقط القيام في الصلاة عن العاجز عنه ما دام عاجزا؛
وإنما يوجد هذا العجز عادة في الكبار الذين يدخلون في الإسلام وقد ملكت العجمة
عليهم ألسنتهم، وكان هذا يكثر في القرون الأولى التي يدخل فيها الكبار في الإسلام
أفواجا، وهو قليل في هذا الزمان ولا سيما عند الترك التابعين للحكومة الجمهورية،
على أن كثرتهم وقلتهم سواء في سهولة تعليمهم ما ذكر.
وأما إخوانهم في تركستان الصينية - وهم الترك الخلص - فكل التعليم عندهم
باللغة العربية؛ وإنما التركية هنالك لسان العامة لا لسان القراءة والكتابة.
وليعلم القارئ العربي في مصر وغيرها أن المسلم التركي - وكذا الهندي
والفارسي والأفغاني وغيرهم - يجد من الخشوع ولذة وجدان الإيمان في قلبه كلما
قرأ أو سمع شيئا من القرآن المنزل ما لا يجد مثله أكثر العوام من مسلمي العرب،
وإن لم يفهم شيئا مما قرأ أو سمع؛ وإنما سبب هذا الخشوع والوجدان ما يستولي
على قلبه من تصور سماع كلام الله المنزل على أفضل النبيين وخاتمهم صلوات الله
وسلامه عليه وعلى آله، فمثله كمثل من يسمع نشيدا موسيقيا لوطنه وهو من رجال
الوطنية، أو نشيد ملكه وهو من معظمي الملكية، وهو لا يفهم معنى هذا النشيد؛
وإنما يعظمه ويهتز له قلبه بقدر الباعث من حب الوطن أو الملك وتعظيمه {والذين
آمنوا أشد حبا لله} (البقرة: 165) ولا نعني بهذا أنه ينبغي أن يستغنى به عن
فهم المعنى الخاص لكلام الله وذكره؛ ولكننا لا نستبعد أن يكون فهم المعنى المجمل
الوجيز من عبارة تركية رسمية أقل تأثيرا في قلبه مما يجده من شعور الإيمان عند
تصوره الإجمالي أنه يقرأ أو يسمع كلام الله تعالى تعبدا كما أمره الله ووعده بالأجر
والثواب في دار المآب، فجعل له بكل حرف عشر حسنات.
ومما ينقص الترجمة ولا سيما التركية أنها لا يتأتى بها الترتيل والتجويد