تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نقلت لنا الصحف خبر تنفيذ هذه البدعة الجديدة فلم نجدد في إنكارها قولا غير

الذي قلناه ونشرناه من قبل؛ ولكن ذكرها أحد إخواننا المسلمين في مقال له

بالعرض مستنكرا لها، ولم يستنكر فيه ما عرفه من التراجم قبلها، فحرك من

أنصار هذه الحكومة بمصر ما كان ساكنا، وهاج من شيعتها ما كان كامنا، فسددت

إلى طعنه أسنة الأقلام مقدسة لهذه الحكومة ومنزهة لها عن الملام، بأنها جاءت

بالمعجزات، وفاقت جميع البشر في التجديد الذي تقتضيه حال الزمان والقضاء

على ذلك البالي القديم من دين الإسلام؛ وإنما هو دين الله العام الباقي إلى آخر

الزمان.

ومن التجديد الذي يليق بالقرن العشرين عندهم أن تترك الشريعة الإسلامية،

وينقل القرآن من حروف العربية التي وصفها نصيرهم في مصر بالوثنية، وزعم

أن الغرض من ترجمته فهم الترك له واهتداؤهم به، واستفادتهم من عقائده وقواعده

ومواعظه وأحكامه، وأن من الجهل والعبث تكليفهم التعبد بكلام لا يفهمونه، فمن

فضائل حكومة الترك اللادينية الجديدة أنها جددت الإسلام لأهله من شعبها، بما

جهله أو ضل عنه جميع المسلمين من قبلها، من عهد رسول الله صلى الله عليه

وسلم إلى هذا القرن الرابع عشر للإسلام، والعشرين للمسيح عليه السلام، فهو من

معجزاتها ومننها على رعيتها الإسلامية.

وربما كان هذا الذي فعلته هذه الحكومة أجدر بوصفه بالمعجزات (بالمعنى

اللغوي) من الانتصار على اليونان وإخراجهم من عقر دار الترك؛ فإن هذا على

حسنه وحمدنا له في وقته، دون انتصار الحكومة الحميدية بقيادة أدهم باشا على

اليونان في بلاد اليونان نفسها، ودون انتصار فرنسة والولايات المتحدة في أمريكا

على المتغلبين على بلادهم، ودون انتصار صلاح الدين الأيوبي وغيره على الدول

الصليبية كلها، وإخراجها من البلاد المقدسة وغيرها، وما وصف شيء من ذلك

بالمعجزات، وأما هذا الانقلاب الديني الجديد فقد عجزت عن مثله كل دولة تولت

السياسة والحكم في الشعوب الإسلامية؛ ولكن فعل أكبر منه بطرس الأكبر ثم

البلشفك في روسية.

دافع المنكر الأول لهذه الفعلة عن نفسه، وكتب المقال في إثر المقال في تأييد

رأيه، وانتصر له آخرون، وحمي وطيس الجدال بين الفريقين، وكثر اعتراض

كل كاتب على مناظره حتى فيما هو خارج عن موضوع المناظرة من مسائل

تاريخية أو كلامية، حتى طرق بعضهم باب البحث في كلام الله تعالى الذي هو

صفة ذاتية له، وكتبه المنزلة على رسله بألسنة أقوامهم، وفي هذه المباحث من

الفلسفة القديمة والنظريات الغريبة من المتكلمين ما كان من مصائب المسلمين في

عصر رواج تلك الفلسفة.

ورجع بعض المدافعين عن الحكومة التركية إلى كتب الفقه لعلهم يجدون في

آرائها الشاذة ما ينصبونه حجة على جعل القرآن العربي المنزل خاصا بالعرب،

وجواز إيجاد قرآن تركي للترك، وقرآن فارسي للفرس، وقرآن هندي للهنود،

وقرآن صيني للصينيين ... إلخ، فوجدوا فيها رأيا لأبي حنيفة في جواز الترجمة؛

ولكن نقل فقهاء مذهبه أنه رجع عنه، وأن المعتمد في المذهب رأي أصحابه في

حكم من يعجز عن أداء ما فرض الله عليه في الصلاة من قرآن بالنطق به كما أنزله

الله عربيا غير ذي عوج، وهو أنه يترجم له بلسانه، وهي ضرورة تقدر بقدرها

فلا تباح لغير العاجز عن النطق ما دام عاجزا، وسواء أصح هذا الرأي أم لم يصح

فرأي المجتهد ليس حجة في الإسلام على غيره؛ ولكنه هو يعذر به، وكذا من قلده

فيه لثقته به، وسواء أصح دليله أم لا فهو لا يتضمن جواز ترجمة القرآن كله بلغة

غير لغته يستغنى بها عن المنزل من عند الله تعالى، فهذا مما أجمع المسلمون كلهم

على عدم جوازه، وعلى أن من يفعله متعمدا فهو زنديق مارق من الإسلام.

ووجدوا في بعض كتب الحنفية من الاحتجاج لأبي حنيفة في جواز الترجمة أن

سلمان الفارسي رضي الله عنه ترجم سورة الفاتحة لمن طلبها من قومه، فأجازه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٤٠