والولدان من زنوج أفريقية؛ فإن أكثر هؤلاء يباعون ليكونوا خدما في بيوت
الأغنياء، وأقل الإناث منهن يستمتع بهن، فإن كان مبتاعوهن من المسلمين الذين
يظنون أن هذا رق جائز، ورزقن أولادا منهن يكون أولادهم أولادا شرعيين لآبائهم،
ويكن هن بذلك أمهات حرائر بعد وفاتهم.
وأما هذا الرقيق الأبيض فهو سوق للألوف المؤلفة من البنات الحسان من
المراهقات والمعصرات والبالغات كالأنعام ونقلهن من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى
قطر؛ لأجل التجارة بأعراضهن بالسفاح والمخادنة التي تفسد الزوجية الشرعية
على أهلها، وتنشر ميكروبات الأمراض التناسلية في أجسام المبتلين بها، وتفعل
سمومها المعنوية في الأخلاق والأرواح شرا مما تفعل ميكروباتها في الأبدان، وقد
تفاقم بعد حرب المدنية العامة شرها، وتضاعف وزرها، وهاك ما كتبه بعض
علماء الحقوق في تاريخ التسري وحاله في أوربة في القرن الماضي.
جاء في كتاب المقارنات والمقابلات نقلا عن الأصل الفرنسي منه ما نصه:
(151) ويكاد التسري واتخاذ الجواري والأخدان يكون عام الوجود في
جميع بلاد الدنيا حتى في البلاد المحلل فيها تعدد الزوجات وهو مستعمل في أفريقيا
وأمريكا وأوربة بكيفيات مختلفة ... إلخ، ثم قال:
(152) وقد كان التسري معروفا عند قدماء اليونان بطريقة تقرب من تعدد
الزوجات؛ لأن الأولاد المرزوقين من التسري كانوا يعاملون معاملة المرزوقين من
النكاح المشروع، وفي زمن من الأزمان وجد عندهم نوع آخر من التسري خلاف
الأول كانت الجارية فيه عبارة عن رقيقة يتخذها الرجل للتمتع خارج بيته ولا
علاقة شرعية ولا قانونية بينه وبينها.
(153) وأما التسري عند قدماء الرومان فكان مشروعا في قوانينهم ويقرب
كثيرا من النكاح الصحيح؛ لأنه كان يمنع الرجل من التزوج بغير الخدن التي
سيستفرشها فهو في الحقيقة شكل من أشكال النكاح المحرم فيها تعدد الزوجات.
وكان الأولاد المرزوقون منه ينسبون لأبيهم؛ ولكنهم يعاملون معاملة أمهم، أي
لا يرثون من أبيهم كالمرزوقين من النكاح المشروع، وكان يطلق عليهم اسم أولاد
طبيعيين، لتمييزهم عن الأولاد الشرعيين، ومعنى الطبيعيين هنا المرزوقون من
النكاح المباح طبعا لا شرعا، وقد كان حالهم كثير الشبه بحال الأولاد المرزوقين
من التسري في زمننا هذا؛ لأن واضع أحكام الشرع الفرنساوي نقل عن شرع
الرومان معظم أحكام التسري.
(154) وقد نسخ هذا التسري الروماني بحكم النصرانية؛ ولكن
الأورباويين لا يزالون يتخذون الأخدان، ولم يتبعوا شرعهم الديني في تحريم تعدد
الزوجات كما يتبع عربان قبائل المغرب شرعهم الديني ويتمسكون بأحكام النكاح
وتحريم الزنا؛ فإن هؤلاء الأقوام يقتلون المرأة التي تلد من الزنا ويعدمون ولدها،
ثم يبحثون عن الزاني بها ويحاكمونه، أما الأورباويون فلا يعاقبون على التسري
واتخاذ الأخدان، ويغضون الطرف عنه ولو أنه غير جائز شرعا، والسبب في
انتشار التسري في أوروبا كثرة الإجراءات الواجبة الاستيفاء لعقد الزواج المشروع
وقيود وتكليفات أخرى سبق ذكرها، وأكثر ما يكون التسري في أوروبا بين أرباب
الصنائع من الذكور والإناث، وبين أرباب الأموال من الرجال وأسافل نساء المدن،
وحكم التسري عندنا عدم تقييد الطرفين بأي رابطة بحيث يجوز لكل منهما
الانفصال في أي وقت شاء، وعدم تكليف الرجل بأي حق للمرأة سواء أتت بولد أو
لم تلد، أما الأولاد المرزوقون منه فحالهم أدنى من حال الأولاد المرزوقين من
النكاح الصحيح، وكانوا قبل بضع سنين مجردين عن كل حق على آبائهم، وقد
كثر عددهم في باريس كثرة عظيمة جدا من كثرة انتشار التسري، إذ يقال إن عشر
أهلها يعيشون في تسر أي بدون زواج مشروع، ويقال إن العدد الأعظم من ذلك في
بعض جهات ألمانيا مثل بلاد ساكس وبفاريا وسلبورغ.
(155) وقد يرى الباحثون في أمور المعاش وأحوال الناس أن تحريم