تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونزغات الشيطان أن تطوف بقلوب مجالسهن ومحدثهن بما يمس مقامه في منصب

النبوة والرسالة، أو يهبط بهن من أوج أمومة المؤمنين الروحية، إلى خواطر

النزعات الزوجية، ولا ننسى أن المنافقين إذا لاحت لهم شبهة في إحداهن بنوا

عليها من الإفك والبهتان ما يعن لهم ويوسوس به الشيطان كما فعلوا في رمي السيدة

عائشة بما أثر في قلوب بعض سذج المؤمنين حتى نزلت براءتها من السماء.

ومن هذا القبيل في سد الذريعة على الخواطر والوسوسة (أن صفية أم

المؤمنين زارت النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في العشر الأخير من

رمضان في المسجد فتحدثت عنده ساعة من العشاء، فلما قامت تنقلب راجعة قام

معها النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغا باب المسجد مر بهما رجلان من

الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نفذا (انطلقا مسرعين)

فقال لهما صلى الله عليه وسلم: على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي قالا:

سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما ما قال، فقال صلى الله عليه وسلم: إن

الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا)

رواه الشيخان.

ولا تدل الآية بتصريح ولا تعريض على تعليل الحجاب بالخوف على شرف

صيانتهن وحصانتهن، لا منهن ولا عليهن، كما يتوهم بعض المعترضين من غير

المسلمين على مسألة الحجاب في الإسلام إذ يقولون إن المسلمين يحجبون نساءهم

عن الرجال لعدم ثقتهم بعفتهن، وهذا باطل، وسأعود لهذه المسألة في الكلام على

آداب النساء، وأختم الكلام في مسألة الأزواج الطاهرات ببيان نتيجتها وثمرتها.

44- ثمرة هداية القرآن والسنة في أزواجه

صلى الله عليه وسلم

بهذا الوحي الإلهي، والهدي المحمدي، علم أولئك الضرائر التسع أن

الإصلاح الإسلامي للبشر يكلفهن أن يكن نسوة لا كالنساء، وأزواجا لا كالأزواج،

يكلفهن أن يحتقرن التنافس في الطعام والشراب، والمباراة في زينة الحلي واللباس،

والتحاسد على الحظوة عند هذا الزوج العظيم في حب الزوجية، وتناسي وظيفته

العليا وهي النبوة، علمن بما ذكر أن الله تعالى ورسوله يريدان منهن أن يكن قدوة

صالحة، وأسوة حسنة لجميع النساء، ومعلمات للمؤمنات، ومثلا بارزة في البر

والتقوى، والعلم والحكمة، ومعالي الأمور ومكارم الأخلاق، من العفة والصيانة

والأمانة والديانة، وأن يرجئن ما يشتهين من الزينة والنعمة إلى الدار الآخرة:

﴿فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾ (التوبة: 38) .

خيرهن الله ورسوله بين الأمرين فاخترن خيرهما، وأتم الله نعمته عليهن بما

شرعه لرسوله ولهن مما يزكيهن من وساوس الغيرة ودنايا المضارة، فتم لهن مراد

الله تعالى بها وبما شرعه للمؤمنين من جعلهن أمهات لهم، وضرب الحجاب عليهن

دونهم، حتى لا يفكر مؤمن فيما دون أمومتهن الروحية، وإجلال منصب النبوة،

إذ قال تعالى في هذه السورة: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ (الأحزاب: 6) .

ولقد كان نساء المؤمنين يلجأن إليهن بالشكوى من تقصير رجالهم في حقوق

الزوجية حتى حقوق الفراش انقطاعا للعبادة، فيبلغن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك

فيشكيهن، وينهى رجالهن عن التنطع والغلو في العبادة والامتناع من أكل الطيبات

وهجر الأزواج في الفراش، مبالغة في صيام النهار وقيام الليل، ويقول للواحد

منهم: (إن لجسدك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا ... إلخ) ولا محل لبسط

ذلك هنا.

وقد نقل لنا المحدثون والمؤرخون عنهن من فضائل الزهد والبر والصدقات

والإيثار على النفس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت الدنيا على

المسلمين وأنجز الله لهم ما وعدهم به من الغنى والملك ما يثبت لكل عالم بذلك أن

تعددهن كان خيرا وصلاحا للأمة وإعلاء لشأن المرأة فيها، إذ كن أفضل سيرة من

جميع نساء الأنبياء والمرسلين، بل لا يكاد يفضلهن من نساء الأمم إلا مريم ابنة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٢٢٨