(سبحان مقلب القلوب) فسمعت التسبيحة زينب، فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن
يطلقها، فكان هذا سببا لاستئذانه النبي صلى الله عليه وسلم في طلاقها، وزعموا
أن هذا هو المراد من قول الله تعالى: ﴿وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (الأحزاب: 37) وهذه الرواية لم يثبت لها سند؛ وإنما نقلها بعض المفسرين
كعادتهم في نقل كل ما يسمعون، وقد صرح بتلفيقها المحققون؛ لأنها مخالفة للآيات
الصريحة المحكمة من جهات كثيرة، ومنافية للعقول المستقلة في الفهم والحكم أيضا؛
فإن تزويج النبي صلى الله عليه وسلم زينب لمولاه، وحبه وربيبه ومتبناه، يكون
بحسب الطباع الكريمة مانعا من الميل إلى التزوج بها، وناهيك بما اجتهد به من
إقناعها، وهو يعرفها من صغرها، وهذا إذا كان تزويجه لها تزويجا عاديا ليكونا
زوجين ما بقيا، فكيف وهو صلى الله عليه وسلم يعلم أنه تزويج موقت بالنسبة إلى
عاقبته وغايته التي يجهلها كل منهما، ثم إنه على حسب زعمهم أمر واقع في نفسه،
وتنسمته زينب بالقرينة من تسبيحه، ولفظ ذلك التسبيح لا يدل عليه، ولم يعلم به
الناس فيخشى أن يخوضوا فيه، ويعاتبه ربه على خشيته إياهم وينزل في ذلك
قرآنا يتلى ويتعبد به، ثم إن زيدا كان يعلم بمعاشرته له من سن الصبا أن نفسه من
أجل وأكبر من أن يلم بها ذلك، وإن كان لا ينافي عصمة النبوة، ولولا هذا العلم
بعلو نفسه وسمو فضائله لما آثر الرق عنده على الحرية عند والده وفي قومه، وقد
أبى الحافظ ابن كثير ذكر هذه الرواية السخيفة في تفسيره لتجنبه رواية
الموضوعات، وذكر الأباطيل الواضحة فيه، وإن كان ينقل الأحاديث الضعيفة
المعقولة أحيانا، وشنع ابن العربي وغيره على ناقليها.
لولا أن دعاة النصرانية يذكرون هذه الفرية في كل كتاب يلفقونه في الطعن
على الإسلام والنيل من مصلح البشر، وأفضل النبيين والرسل، لما ذكرتها في هذه
الرسالة الوجيزة، وإن لشيخنا الأستاذ الإمام مقالة خاصة في تفنيدها بالمعقول
والمنقول، ولي مقالة أخرى في إيضاح مقالته والرد على أديب نصراني انتقدها،
وقد نشرتهما في المجلد الثالث من المنار، وطبعتها مع تفسير الفاتحة وبعض
مشكلات القرآن.
ولو كان عند هؤلاء الدعاة المبشرين عرق حياء ينبض، لمنعهم الجذع الكبير
الذي في أعينهم عن رؤية قذاة ضئيلة في عين غيرهم! أي لمنعتهم قصة داود النبي
الذين يصلون ويعبدون الله بمزاميره مع امرأة أوريا الحثي إذ رآها كما يروي كتابهم
المقدس تغتسل فأعجبته فاستحضرها وضاجعها، فحملت وأمر بجعل زوجها في
مقدمة الحرب وتعريضه للقتل فقتل لينفرد بها من دونه، كما هو مفصل في الفصل
11 من سفر صموئيل الثاني، والمسلمون يبرءون نبي الله داود عليه السلام مما
ترويه عنه كتب قومه المقدسة عندهم وعند النصارى، وقصة داود في سورة (ص)
لا تدل على اقترافه الفاحشة وجريمة القتل إرضاء للشهوة حاشاه الله من ذلك.
5- هند أم سلمة المخزومية رضي الله عنها:
هي هند أم سلمة بنت أبي أمية المخزومية كان أبوها من أجواد العرب
المشهورين، وتزوجت ابن عمها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وهو من
السابقين الأولين إلى الإسلام، أسلم بعد عشرة أنفس وهو ابن عمة رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، وكان أول من هاجر إلى الحبشة، وكانت معه
وولدت له سلمة في أثناء ذلك، ثم عاد إلى مكة، ولما أراد الهجرة بها إلى المدينة
صدها قومها وانتزعوها منه هي وابنها سلمة، ثم انتزع بنو عبد الأسد آل زوجها
ابنها سلمة من آلها بالقوة حتى خلعوا يده، فكانت كل يوم تخرج إلى الأبطح تبكي
حتى شفع فيها شافع من قومها فأعطوها ولدها فرحلت [5] بعيرا ووضعت ابنها في
حجرها وهاجرت عليه، فكانت أول امرأة هاجرت إلى الحبشة، ثم كانت أول
ظعينة هاجرت إلى المدينة، وكانت تجل زوجها أيما إجلال حتى أن أبا بكر وعمر