وينفقون عليهن مع وجود الأقوياء الأغنياء القادرين على إحصان امرأتين أو أكثر
الراغبين فيه.
(الثالثة) أنه لهذا وذاك تركه مباحا إلا أنه قيده بما تقدم بيانه آنفا من العدد
والشرط الذي يتقى به ضرره، ويرجى به نفعه إذا التزم فاعله جميع أحكام الإسلام
وآدابه في معاملة النساء وقد تقدم أهمها، وقد رأينا بأعيننا وسمعنا بآذاننا من أهل
عصرنا أن من المتدينين المتقين من لم يرزق ولدا من زوجه الأولى، فعز عليهن
ذلك فرغبنهم في التزوج بغيرهن وخطبن لهم وعشن مع الزوج الثانية كعيشة
الأخوات في حجر والدهن، وقد كان هذا هو أكثر حال المسلمين في قرون الإسلام
الأولى؛ ولكنه قل في هذا الزمن بما طرأ على أكثر الشعوب الإسلامية من الجهل
بالإسلام، وبحكمه وأحكامه وآدابه في الزواج، وفسدت تربيتهم بالتبع لفساد
حكوماتهم، فصار تعدد الزوجات في الأمصار مثارا لمفاسد لا تحصى في الأزواج
والأولاد وعشائر الزوجين حتى انقلب ما بيناه من أركان الزوجية الثابتة في كتاب
الله تعالى من حب ومودة ورحمة إلى أضدادها. وقد حمل شيخنا الأستاذ الإمام في
سياق تفسيره للآية في الأزهر حملة منكرة شديدة على هذه المفسدة في مصر وقرر
أنه يستحيل تربية الأمة تربية صحيحة مع كثرة هذا التعدد الإفسادي الذي صار
يجب منعه عملا بقاعدة لا ضرر ولا ضرار الثابتة في الحديث [18] ، وقاعدة تقديم
درء المفاسد على جلب المصالح وهي متفق عليها، وقد نشرنا أقواله في تفسيرها
من الجزء الخامس وذكرنا في أول المجلد 28 من المنار أنه أفتى فتوى غير رسمية
بأن للحكومة منع التعدد لغير ضرورة مبيحة لا مفسدة فيها.
وشرحنا في تفسيرها أيضا ما أجملناه في المسألة الثانية هنا من وجوه الحاجة
إلى التعدد من شخصية وطبيعية واجتماعية وآراء بعض علماء الإفرنج ونسائهم
الكاتبات في تفضيله على بذل النساء من أبكار وثيبات أعراضهن للرجال في
اختلاطهن بهم في المعامل وخدمة البيوت، وما في ذلك من المفاسد والمضرات
التي لا يعد تعدد الزوجات بالنسبة إليها شيئا قبيحا أو ضارا إذا التزم فيه شرع
الإسلام، وقد زاد ما كتبناه في موضوعها على ثلاثين صفحة ولا تتسع هذه الرسالة
لنقله كله، فيراجع تفصيله في محله [19] .
بيد أنني أكتب هنا كلمة في استعداد كل من الزوجين للنسل الذي هو غاية
الزوجية ومقصدها الفطري، بما تظهر به حكمة جعل الحد الأقصى في عدد
الزوجات أربعا، وأقفي عليه ببيان الأسباب التي يكون بها التعدد حاجة أو ضرورة
تقتضيها مصلحة الزوجية، بل مصلحة الإنسانية، ثم أنقل بعض ما أشرت إليه من
ذلك التفصيل.
26- استعداد كل من الذكر والأنثى للنسل
من المعلوم بالمشاهدة أن الذكر قد يكون مستعدا لوظيفة النسل من سن البلوغ
إلى نهاية العمر الطبيعي وهو مائة سنة، وأن الأنثى ينقطع استعدادها في سن
الخمسين إلى 55، ثم إنها إذا حملت كان حملها شاغلا لها عن غيره إلى نهاية مدته
وهي تسعة أشهر في الغالب، ثم إلى انتهاء النفاس وهو أربعون يوما في المتوسط،
وقد يمتد إلى شهرين ولكن لا حد لأقله، ثم إن استعدادها للحمل في مدة الرضاعة
يكون ضعيفا جدا ومن مصلحتها ومصلحة طفلها أن لا يقع وإن كان ممكنا، ومدة
الحمل والرضاعة المشتركة بين البدو والحضر سنتان ونصف كما قال تعالى:
﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾ (الأحقاف: 15) ولكن الرجل يكون في كل هذه
المدة مستعدا للقيام بوظيفة الزوجية إن لم يكن في كل يوم، ففي كل أسبوع أو أقل
أو أكثر على حسب قوة المزاج وسلامة البنية وحسن الغذاء، وما يقابل ذلك من
الأضداد، فإذا فرضنا أن زوجين اقترنا في متوسط سن البلوغ وهو 15 سنة كان
أقصى ما تلده له 20 ولدا في أربعين عاما، وهو على كونه نادرا يبلغ ربع ما
يمكن أن يولد له من أربع نسوة إلى سن الثمانين.
وقد بينت في آخر فصل المساواة بين الزوجين ما يفضل به الرجل على المرأة