أحدهم عن ظلم امرأته إلا العجز، ويحملونهن ما لا يحملنه إلا بالتكلف والجهد،
ويكثرون الشكوى من تقصيرهن، ولئن سألتهم عن اعتقادهم فيما يجب لهم عليهن
ليقولن كما يقول أكثر فقهائهم: إنه لا يجب عليهن خدمة ولا طبخ ولا غسل ولا كنس
ولا فرش، ولا إرضاع طفل، ولا تربية ولد، ولا إشراف على الخدم الذين
نستأجرهم لذلك، إن يجب عليهن إلا المكث في البيت والتمكين من الاستمتاع،
وهذان الأمران عدميان، أي عدم الخروج من المنزل بغير إذن وعدم المعارضة
بالاستمتاع، فالمعنى أنه لا يجب عليهن للرجال عمل قط، بل ولا للأولاد مع
وجود آبائهم.
وأما قوله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ (البقرة: 228) فهو يوجب
على المرأة شيئا وعلى الرجال أشياء، ذلك أن هذه الدرجة هي درجة الرياسة
والقيام على المصالح المفسرة بقوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل
الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} (النساء: 34) فالحياة الزوجية
حياة اجتماعية ولا بد لكل اجتماع من رئيس؛ لأن المجتمعين لا بد أن تختلف
آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس
يرجع إلى رأيه في الخلاف، لئلا يعمل كل على ضد الآخر فتنفصم عروة الوحدة
الجامعة ويختل النظام، والرجل أحق بالرياسة لأنه أعلم بالمصلحة وأقدر على
التنفيذ بقوته وماله، ومن ثم كان هو المطالب شرعا بحماية المرأة والنفقة عليها
وكانت هي مطالبة بطاعته في المعروف ... إلخ.
16- مقتضى الفطرة في أعمال الزوجين
هذا وإن ما تقرر في السنة من اقتسام أعمال الزوجين بين الرجل والمرأة هو
مقتضى الفطرة - والإسلام دين الفطرة - فقد فضل الله الرجل في خلقته بقوة في
الجسم والعقل كان بها أقدر على الكسب والحماية والدفاع الخاص بالأسرة، والعام
للأمة والدولة، ومن ثم فرض عليه النفقة، وبها كان الرجال قوامين على النساء
يتولون الرياسة العامة والخاصة التي لا يقوم النظام العام ولا الخاص بدونها، فعليه
جميع الأعمال الخارجية في أصل الفطرة، وهذا ما عليه جميع أمم الحضارة.
ومن مقتضى الفطرة اختصاص المرأة بالحمل والرضاع وحضانة الأطفال
وتربيتهم وتدبير المنزل بجميع شؤونه، ولها الرياسة في جميع الأعمال الداخلية
المحضة فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن
رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسئول عن
رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها) الحديث، وهو
متفق عليه.
ولا ينازع في تفضيل الله الرجل على المرأة في نظام الفطرة إلا جاهل أو
مكابر، فهو أكبر دماغا وأوسع عقلا، وأقوى عضلا، وأعظم استعدادا للعلوم وأقدر
على مختلف الأعمال، بل هو يؤدي وظيفته من حكمة الزوجية وهي النسل كإفراغ
مادته بإرادته واختياره في عامة أحواله، والمرأة ليس لها قدرة على مثل هذا؛
وإنما تنشأ فيها بويضات النسل في أوقات مخصوصة لا إرادة لها فيها، والحيوان
المنوي الذي يلقح هذه البويضات هو الذي يسعى إليها في مكانها من مدخل الرحم
إلى مستقره فيلقحها، وليست هي التي تسعى إليه، بل هي لا تشاركه أيضا في هذا
المسعى؛ وإنما تنتظره انتظارا، فمنه الحصول والفعل، وعليها القبول والانفعال،
ويجد في البيضة التي يلقحها الغذاء الذي يكون به النمو؛ وإنما الحركة والنمو من
خاصيته لا منها، إلى أن تتكون النطفة المتحدة بالتنقل في الأطوار فتكون جنينا
لإنسان كامل، فكذلك يسعى الرجل ويكدح وينقل ما يكسبه إلى المرأة في الدار
فتتصرف فيه بما تقتضيه حاجة الأسرة من غذاء وغيره.
ومن استقرأ طباع النساء السليمات الفطرة من جناية سوء التربية وفساد النظام
يرى أن الثابت في غرائزهن أن خير الأزواج وأولاهم بالاختيار من كان قادرا على
الكسب وحماية النسل وصيانته، وما تتوقف عليه تربيته إلى أن يبلغ أشده، وقد