مثل هذا الإقرار لا يكفي في إثبات رجوعه عما كان قاله وفعله منافيا للإسلام؛ فإن
أهل الكتاب يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله إجمالا، وهو لم يأخذ طعنه في
القرآن إلا عنهم؛ وإنما كان يجب أن يقر بأنه يؤمن بأن القرآن كلام الله تعالى
المنزل على محمد رسول الله وخاتم النبيين، وأن كل ما فيه حق لا يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه، وأن ما قاله له منافيا أو معارضا لذلك فهو خطأ.
ثم إنه قد اضطر بعد هذا إلى أن يحذف أصرح ما قيل إنه تكذيب للقرآن
ومناف للإسلام والإيمان من كتاب (في الشعر الجاهلي) ويزيد فيه بعض المباحث
ويعيد طبعه مسميا إياه (في الأدب الجاهلي) وهذا الكتاب الثاني هو الذي ألف
الأستاذ الغمراوي كتابه في نقده وإثبات ما فيه من الجهل ومنافاة الإسلام والتشكيك
فيه؛ ولكن طه حسين لا يبالي نقدا ولا نقضا، ولا يرد على ناقد ولا ناقض؛ لأنه
إن فعل هذا يظهر جهله للمغرورين بعلمه من تلاميذه وغيرهم، وربما كان أكثرهم
لا يقرءون كلام الذين يردون عليه، وما هو بالذي يتحرى الحق وما ينفع الناس
فيرجع عما يظهر له خطؤه فيه.
أما مقدمة الأمير شكيب أرسلان فلو لم يكتب في النقض الإجمالي لكتابي
الدكتور طه حسين، أو كتابه ذي الثوبين أو الاسمين لما احتيج إلى غيرهما. وأما
كتاب الأستاذ الغمراوي نفسه فهو لم يغادر صغيرة ولا كبيرة فيه إلا أحصاها،
وحكم عليها حكما تحليليا عادلا، ولعمر الحق إن طه حسين وكتبه الخلابة الإفسادية
لا يستحقان كل هذه العناية؛ وإنما عني العلماء والأدباء بالرد عليه لما رأوا من
عناية بعض الوزراء والكبراء به وبما يكتبه وبدفاعهم عنه، ولهذا زاد الأمير
شكيب أرسلان على الأستاذ الغمراوي إلقاء ذنبه على وزارة المعارف، ووضع
ذنبها على برلمان البلاد، وذنب البرلمان على الأمة المصرية.
إن دعاية الإلحاد التي ينفث سمومها طه حسين في أرواح طلبة الجامعة، وقد
دون أصولها في كتابه هذا مبنية على قاعدة التجديد، تجديد الأدب، وإن مادته فيها
كتب دعاة النصرانية وكتب بعض المستشرقين، ولا سيما أعداء الإسلام منهم،
كالدكتور مرجليوث الإنكليزي المشهور، وإن أسلوبه فيهما هو ذم كل قديم في
الإسلام وكتبه وآدابه وأئمتها والتشكيك في كل حق وحسن منها بعبارات التهكم
والاستهزاء، وأما حجته فيها فهي أنها مقتضى النقد التحليلي الذي يزعمون أنه من
وضع الإفرنج، وما هو من وضع الإفرنج، بل كان معروفا عند سلفنا علماء
العرب وأدبائهم، فمنه ما تراه في مقدمة حكيمنا ابن خلدون من نقده لكتب التاريخ،
ومنه ما كتبه كثير من العلماء والأدباء في نقضهم للشعر ولبعض كتب العلم كنقض
شيخ الإسلام ابن تيمية لكتاب أساس التقديس للإمام الرازي ونقض علم المنطق.
وإذا قرأت كتاب النقد التحليلي للأستاذ الغمراوي فإنه يثبت لك أن الدكتور طه
حسين لا يملك من هذا النقد إلا خلابة اللفظ، فيما سداه الدعوى ولحمته الجهل،
وحسبك اعتماده فيه على الشك؛ وإنما الشك دون الظن، والظن دون العلم، وقد
بينا هذا في المنار من قبل.
وفي كتاب الغمراوي من الحجج القيمة على جهله ما لا يمكن رده، وفيه من
الفوائد العلمية والقول الحق في المسائل المبحوث فيها وفيما حولها ما لا يستغني
عنه طلاب الأدب، فنحث القراء على مطالعته والاستفادة منه.
* * *
(كتاب البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية)
(مؤلفه الشيخ عبد الله بن علي النجدي القسيمي من طلاب العلم في الأزهر،
وطبع بمطبعة المنار بمصر سنة 1350، وصفحاته 203، وثمن النسخة منه 5
قروش)
أسرف الأستاذ الشيخ يوسف الدجوي في الطعن على جماعة الوهابية فيما
ينشره من المقالات في مجلة الأزهر المسماة بنور الإسلام، كما أسرف في فتاويه
التي تنشرها هذه المجلة، فيما ادعاه من شرعية دعاء الموتى والاستغاثة بهم في
الشدائد، وإيهام الجاهلين بأصول التوحيد أن الصالحين منهم يستجيبون لمن يدعوهم