وجوههم مجلس النواب المؤيد للحكومة، فطلب أحد أعضائه الدكتور عبد الحميد
سعيد (رئيس جمعية الشبان المسلمين) استجوابا من وزير المعارف في مسألة طه
حسين واستنكار إبقائه في وزارة المعارف على ما عرف الخاص والعام من سوء
سيرته في نفث سموم الإلحاد في الطلبة وإفساد عقائدهم وآدابهم بدروسه وكتبه، وقد
ألقى المستجوب على المجلس بيانا طويلا لما تضمنته كتب هذا المدرس من نزعات
الكفر والإلحاد والإباحة، فوعدت الحكومة المجلس بأنها ستنظر في مسألته وتقررها
وما يرضي المجلس والأمة في شأنه.
أسهب مجلس النواب والجرائد الموالية للحكومة في الطعن على طه حسين،
فأطنبت الجرائد المعارضة لها في إطرائه، وذلك دأب المناظرات السياسية، وكان
من تأثير إطراء الجرائد المعارضة وبعض طلبة الجامعة وغيرهم في نفس طه
حسين أن شمخ أنفه، واهتز عطفه، فأفلت من لسانه ما أرادت الحكومة تحقيقه
فسألته عنه فامتنع من الجواب، وعتا عتوا كبيرا انتهى بعزله من وظيفة التفتيش
قبل أن يعمل فيها عملا، وهذا ما تبغيه المعاهد الدينية والنواب وكل مسلم يعرف
إفساد طه حسين في الجامعة.
وكان مما دفعته سيول هذه الحوادث أن استقال أستاذه ومربيه أحمد لطفي بك
السيد من رياسة الجامعة المصرية، فقبلت الحكومة استقالته، فتم بذلك سرور أهل
الدين.
لقد أوتي طه حسين من الحظ والتأييد أضعاف ما أوتي من العلم والتأديب،
فهو يدعي التجديد ولم يأت بجديد، إلا أن خدم دعاة النصرانية بالصد عن الإسلام
وبغيه عوجا، وقلد بعض فلاسفة الإفرنج في الشك والتشكيك، وهو ضرب من
السفسطة قديم، كان الذين ابتلوا به يشكون فيما يرونه بأعينهم ويسمعونه بآذانهم،
ويذوقونه بألسنتهم، حتى شكوا في وجود ذواتهم، فما تعوده أحد وانتحله مذهبا له
إلا وأعقبه جهلا لا مخرج له منه، ومن شك في كلام الله، وفيما تواتر من أخبار
الناس، فأنى له أن يوقن بآراء طه حسين، كلا إنما مثله كمثل من يبيع الموجود
بالمعدوم، والمتحقق بالموهوم، أو كما قال الله تعالى: {والذين كفروا أعمالهم
كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه
حسابه والله سريع الحساب * أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج
من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل
الله له نورا فما له من نور} (النور: 39-40) .
ولعل سبب تأييد بعض كبار الملاحدة له أنهم رأوه مستولغا مستهترا لا يبالي
في سبيل الشهرة بالإلحاد والإباحة ذما ولا عارا، وهم حريصون على نشر هذه
الدعوة في الجامعة المصرية ليهدموا بمعاول المتخرجين فيها كل ما بقي للإسلام في
مصر من هداية دينية وجنسية عربية، فهم أرادوا جعل الجامعة حربا على الأزهر
وما يتبعه من المعاهد الدينية وعلى دار العلوم أيضا، وقد صرح بعض كتابهم بهذا
في مقالات نشرت في بعض الصحف، بل صرحوا بأن ثقافة هذه الجامعة المصرية
ستحل محل ثقافة الأزهر الدينية في مصر وفي سائر البلاد العربية، ويسرنا أن
بعض الذين جاهروا بهذا العداء للدين وصلينا نار قذفهم للرد عليهم فيه قد ثابوا في
هذا العهد أو العام إلى رشدهم، وأنابوا إلى ربهم، ولقد كان أظهر الأسباب لعناية
أولئك الملاحدة ببث دعايتهم في الجامعة هو اعتقادهم أن الشعب ما زال يغلب عليه
الدين، فهو يحتقر في نفسه أمثالهم من الزنادقة والمعطلين، وقد رأى طه حسين أن
في كفالتهم له وتقديمهم إياه ربحا لا يصل إليه بدون هذه الوسيلة، وأن الذين لا
يزالون يغارون على الدين لا ينصرون أنصاره، ولا يضرون أعداءه، إلا أذى من
القول، وقد كان من دهائه وعدم مبالاته بالذم أن لا يرد على معترض، ولا يثأر
من منتقص، فكان الرد عليه يزيده شهرة، ولولا كثرة الردود عليه لما ذاعت
شهرته وانتشرت مصنفاته، فكان هذا من أكبر حظه أيضا.