هذه الأمور من أعمال الجاهلية وسائر الشعوب الهمجية التي استحوذت عليها
الخرافات والأوهام، وقد أبطلها الإسلام، وورد في حظرها أحاديث شديدة منها
قوله صلى الله عليه وسلم: (من علق تميمة فقد أشرك) رواه أحمد والحاكم من
حديث عقبة بن عامر، وقوله: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) رواه أحمد وأبو
داود وابن ماجه والحاكم عن عبد الله بن مسعود، وقوله: (ثلاث من السحر:
الرقى والتولة والتمائم) رواه الحاكم من حديثه أيضا.
ولما كان بعض المرضى ولا سيما أصحاب الأمزجة العصبية منهم ينتفعون
بالأوهام، أذن النبي صلى الله عليه وسلم بالرقية وقال: (من استطاع منكم أن ينفع
أخاه فلينفعه) رواه أحمد ومسلم من حديث جابر، وأجاز الذين رقوا سيد الحي
المشرك من اللدغة بفاتحة الكتاب كما في الصحيحين وأجاز لهم أخذ الجعل عليها،
واشترطوا في الرقية المباحة أن لا يكون فيها شرك كرقى الجاهلية كما في حديث
عوف بن مالك عند مسلم وأبي داود، وروى البخاري في التاريخ وابن سعد
والبغوي والطبراني وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لدغ مرة فغشي عليه
فرقاه ناس فلما أفاق قال: (إن الله شفاني وليس برقيتكم) وذلك أنهم كانوا كأمثالهم
في كل زمان ينسبون نفع ذلك إلى الجن وما شاكل ذلك من الخرافات، فأبطل ذلك
بضده وهو دعاء الله تعالى فكان صلى الله عليه وسلم يقول في رقيته للمريض:
(اللهم رب الناس مذهب الباس، اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر
سقما) وفي رواية (أذهب الباس) وهو في الصحيح من حديث أنس وعائشة،
وقال في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب (هم الذين لا يرقون ولا يسترقون
ولا يتطيرون) الحديث، وهو في الصحيحين وغيرهما.
وقد فصلنا هذه المسألة في مواضع من المنار أذكر منها الآن ص390 م 7.
* * *
(ج 47) المحراب في المساجد والمذبح في الكنائس:
المحراب يطلق في اللغة على مقدم المجلس وصدر المجلس والمحل المشرف
العالي منه، وعلى غرفة في مقدمة الدار، ومنه يسمى مكان الإمام من المسجد
محرابا؛ وإنما جعل له تجويف في جدار القبلة حتى لا يعطل الإمام منه صفا كاملا؛
لأن المصلين يكونون وراءه، وكان لهياكل العبادة عند الوثنيين ثم عند أهل
الكتاب محاريب هي الموضع المقدس عندهم من الهيكل أو المعبد ومنه محراب
زكريا ومريم عليهما السلام، وما يسمى عند النصارى بالمذبح الآن، وأصل
المذبح في الأديان القديمة موضع ذبح القرابين الدينية، ففي سفر التكوين (8: 20
وبنى نوح مذبحا للرب وأخذ من كل البهائم الطاهرة، وأصعد محرقات على المذبح)
وفي آخر سفر الخروج أن الرب أمر موسى أن يصنع له مذبحا من تراب يذبح
عليه محرقاته وذبائح سلامته قال: (وإذا صنعت لي مذبحا من حجارة فلا تبنه منها
منحوته) أي لأنها تشبه التماثيل، ويراجع في هذا السفر مذبح المحرقات أو المذبح
النحاسي ومذبح البخور أو المذبح الذهبي، ومحاريب مساجدنا لا تشبه هذه المذابح
ولا محاريب الكنائس في صورتها ولا في أحكامها، وما ذكرتم من الأحاديث فيها
فهو ما لا نعرف له رواية، فإن كنتم رأيتموه في كتاب فأخبرونا به أو انقلوا لنا
عبارته إن كان غير مشهور، ولا يجوز لأحد أن يعزو إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم حديثا إلا إذا رآه مرويا في كتاب من الكتب الموثوق بها، أو سمعه من
عالم مؤتمن على السنة الطاهرة؛ وإننا نرى بعض كبار علماء الأزهر يذكرون في
مجلته المسماة بنور الإسلام أحاديث موضوعة ويدعون صحتها، وإذا نقل لهم
معترض حكم بعض الحفاظ بوضعها ماروا وجادلوا وحرفوا وتأولوا، مصرين على
تصحيح الموضوع كما ترونه في باب التقريظ من هذا الجزء، فما رأيكم في
غيرهم؟ أما نحن فنقول فيما نثبته على بينة، ونقول فيما لا نعرفه: إننا لا نعرفه،
ومن قال لا أدرى فقد أفتى.
* * *
(ج 48) السلام بين المراحيض: