صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول على المنبر: (أما بعد فإن
أصدق الحديث كتاب الله وإن أفضل الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها،
وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) الحديث. رواه أحمد ومسلم وغيرهما.
وعرف الشاطبي البدعة في كتابه الاعتصام بقوله: (إنها طريقة في الدين
مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى، أو
يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية، وقسمها إلى حقيقية وإضافية،
فيراجع.
وروى بعض الجاهلين بالسنة أحاديث في عبادات مخصوصة بصفة
مخصوصة كصلاة رجب التي سموها صلاة الرغائب، وصلاة نصف شعبان، وقد
عمل بها الناس في بعض البلاد وأجازها بعض الفقهاء لجهلهم بأن الحديث فيها
موضوع، فتصدى لهم الفقهاء المحدثون وبينوا خطأهم حتى قال الإمام النووي في
المنهاج: وصلاة رجب وشعبان بدعتان قبيحتان مذمومتان، وأنكر الفقهاء صلاة
ركعتين بين الصفا والمروة قياسا على سنة ركعتي الطواف؛ لأن العبادة إنما تثبت
بالنص دون القياس، وقد فصلنا هذا الموضوع في مواضع من مجلدات المنار
محررا تحريرا.
* * *
(ج 38) شرب الدخان:
بينا مرارا أنه لا يقوم دليل على تحريم التدخين تحريما عاما إلا إذا ثبت أنه
ضار ضررا شديدا بكل من يستعمله، وهذا لم يثبت؛ ولكن الأطباء متفقون على
أن فيه مادة سامة يسمونها (نيكوتين) وأن استعماله يضر بعض الناس وينفع بعضا
في الجملة، وأن أكثر الذين يتعودونه بالتدريج لا يضرهم ضررا ظاهرا، وعلى
هذا يختلف حكمه باختلاف مستعمليه، فمن ثبت عنده أنه يضره بالتجربة أو بقول
طبيبه فعليه أن يتركه؛ لأنه يكون محرما عليه. وقد اختلفت فيه أقوال فقهاء المذاهب
فكان أكثرهم يحرمه عقب ظهوره كعادتهم في كل شيء جديد، وبعد أن فشا واعتيد
صار أكثرهم يبيحه وبعضهم يكرهه كعادتهم في مثل ذلك، وقد أفتى شيخ الأزهر
أبو الفضل الجيزاوي ومفتي الديار المصرية بأن ثالث أقوال العلماء فيه وهو
الكراهة هو الوسط الراجح.
وأما حديث (صرف المال فيما لا يضر ولا ينفع حرام) فلم أره في شيء من
كتب الحديث، ولعله لا يوجد في الدنيا شيء يصرف فيه المال لا ينفع ولا يضر
مطلقا، والتحريم في أصول الشرع هو حكم الله المقتضي للترك اقتضاء جازما،
وكان علماء السلف يشترطون في هذا الخطاب الإلهي أن يكون قطعي الرواية
والدلالة معا، وقد صرح به أئمة الحنفية وهو الحق، فالحديث المزعوم معارض
بهذا الأصل الشرعي وبأصل الإباحة في الأشياء المأخوذ من قوله تعالى: {هو
الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} (البقرة: 29) .
* * *
(ج 39) أكل الفسيخ والسردين:
كان ينبغي للسائل الرجوع في هذا السؤال إلى الأطباء، وأنا لم أسمع منهم ولا
عنهم أن أكل الفسيخ والسردين ضار، والفسيخ لا يؤكل في بيتي لأننا نستقذره ولم
نتعوده ولا نحب أن نتعوده، وأما السردين فمنه نوع جيد كالفسيخ لا نأكله ونوع
كالمطبوخ شكلا وطعما ربما نأكله قليلا، وقد تمر السنون الكثيرة ولا يأكله أحد منا.
* * *
(ج 40) بيع الفسيخ والدخان:
حكم بيع الفسيخ والدخان تابع لحكم استعماله الذي علم مما تقدم.
* * *
(ج 41) حديث (لعن الله الواصلة والمستوصلة) :
أما الحديث فهو متفق عليه رواه الجماعة كلهم، وأما معناه فهو وصل شعر
المرأة بشعر مستعار من غيرها، فالمستوصلة طالبة الوصل، والواصلة هي التي
تفعله لها، وأما سببه فهو أنه زينة مزورة قد تستعمل للغش في الزواج وغيره، كما
في حديث معاوية في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه الزور.
ولا يدخل فيه الضفائر التي كانت تسمى بالقرامل، وهي تكون من الصوف أو
القطن أو الحرير. روى أبو داود عن سعيد بن جبير قال: لا بأس بالقرامل. وبه قال
الإمام أحمد وكثير من العلماء، ومنعه الإمام مالك وآخرون، وقال الشافعية: إذا
وصلت المرأة شعرها بشعر طاهر من غير الآدمي بإذن الزوج أو السيد جاز وإلا