بمقتضى عقيدتهم، والرجل المصلح المخلص لا يتبع في عمله هوى نفسه، فكيف
يتبع هوى غيره؟
ولا أعرف أحدا من أمراء المسلمين قد جرب الناس وخبرهم كالأمير عباس
هذا، ذلك بأنه كان في عهد إمارته قليل التحجب والترفع، كثير المقابلة للناس من
الطبقات العليا والوسطى، واسع الحرية في محادثتهم، وقد تدلى عن أفق الإمارة
والملك إلى معاداة رجال من خواص أمته واتخاذهم خصوما، ثم ارتقى إلى مقامه
اللائق به فأدنى الباقين منهم واتخذ منهم أولياء وأنصارا، وقد رأى كثيرا من الناس
الذين يتبعون هواه، ويبيعون دينهم بدنياه، لا حبا فيه بل حبا لأنفسهم، وتوسلا به
إلى شهواتهم، ورأى قليلا من الناس لا يعملون إلا لأمتهم، ولا يؤثرون أحدا على
ملتهم، فلا يلفتهم المال ولا الجاه أقل لفتة عن عقيدتهم، ورأى أن قليل هؤلاء
الصادقين، خير من كثير أولئك المنافقين، وأن جميع علماء الأزهر ما كانوا يغنون
غناء الشيخ محمد عبده، وأن جميع رجال بطانته وحاشيته لا يبلون بلاء حسن
عاصم باشا وحده، فماذا كان مبلغ استفادة سموه من هذه التجارب، هذا ما لا أعلمه.
ولكنني كنت ممن عاداهم ثم أدناهم، وقد وعدني بالمساعدة على ما أقوم به
من الإصلاح الإسلامي إلى مدى بعيد، وشرع في الوفاء فحالت الحرب العالمية
دون استمرار العمل الذي بدأت به بمساعدته - وهو مدرسة الدعوة والإرشاد -
وكان من مقاصده فيه الاتفاق مع الدولة العثمانية على مثله وما هو أوسع منه بعد
وقوع ما كان يتوقعه من شعور رجالها بخطئهم في عدم تنفيذهم لمشروع الدعوة
والإرشاد في الآستانة، ولا أدري ما كان يرمي إليه من وراء ذلك الاتفاق وما
ظننت إلا خيرا.
وأقول الآن: لو كان معه في مؤسسي هذه الرابطة الإسلامية رجلان كالشيخ
محمد عبده وحسن باشا عاصم، في بصريتهما واستقلال عقولهما وإرادتهما
وإخلاصهما لرجوت له الفوز والنجاح فيها، إذا هو أعطاهما حقهما في استقلالهما
وحريتهما، وقنعا بالعمل معه لخدمة الإسلام بالذات، وخدمته هو بالتبع لخدمة
الإسلام؛ وإنما اقتصرت على ذكر رجلين اثنين في هذا المثل لأنه ذكر في المادة
السابعة عشرة من قانون رابطته أن اللجنة التنفيذية لمجلسها الأعلى تنعقد بحضور
اثنين من أعضائها، وتكون قراراتها صحيحة، وهذا مما ينتقد من مواد هذا القانون؛
ولكن عبقريي الرجال يغني قليلهم عن كثير غيرهم إن وجدوا، ولا يفري فريهم
ألوف الدهماء إن فقدوا.
وأريد بهذا المثل أن مثل هذا العمل لا يمكن أن ينهض به إلا كبار رجال
الإصلاح العالمين بأمراض العالم الإسلامي العارفين بطرق علاجها، الذين يهمهم
أمر أمتهم أكثر مما يهمهم أمر أنفسهم وأهليهم وأولادهم، فإن كان الأعضاء
المؤسسون لهذه الرابطة مع سموه في جنيف (سويسرة) من هذه الطبقة؛ فإن ذكر
أسمائهم في ذيل قانون الرابطة أعظم تأثيرا في العالم الإسلامي من جميع مواده
الواسعة النطاق، المحيطة بالآفاق، ولكن أنى له برجال من هذه الطبقة؟
أسس سموه هذه الرابطة في 15 نوفمبر سنة 1931 الموافق خامس رجب من
هذه السنة في مدينة جنيف، ولا نعلم أنه كان فيها من رجال العالم الإسلامي الذين
يصلحون للنهوض بهذا العمل إلا الأمير شكيب أرسلان، الملقب بأمير البيان،
والمشهور بجهاده في خدمة الإسلام في كل مكان، وإنا نعلم علم اليقين أنه لم يكن
من المؤسسين مع سموه لهذه الرابطة ولا ممن استمد رأيهم فيها، ولقد يعز على من
يعرف هذا الرجل أن يثق بمشروع إسلامي يرغب مؤسسوه عن اشتراكه، أو
يرغب هو عن مشاركتهم فيه.
أسس سموه الرابطة بعد أن وصل إليه كتاب الدعوة إلى المؤتمر الإسلامي
الذي عقد في القدس الشريف وكان وعد بأن يحضره أو يرسل مندوبا عنه يحضره،
ورأينا في أساس نظامها عقد (مؤتمر عالمي إسلامي) في كل ثلاث سنين مرة،
رأينا في مقدمته أن السيد الطباطبائي سكرتير لجنة هذا المؤتمر التنفيذية المنتخب