فقولا له قولا لينا
[طه: 44] ﴿ فأراه الآية الكبرى ﴾ في الكلام محذوف أي فذهب موسى إليه ودعاه وكلمه، فلما امتنع عن الإيمان أراه المعجزة الكبرى، وهي قلب العصا حية تسعى قال القرطبي: أراه العلامة العظمى وهي المعجزة قال ابن عباس: هي العصا ﴿ فكذب وعصى ﴾ أي فكذب فرعون نبي الله موسى، وعصى أمر الله بعد ظهور تلك المعجزة الباهرة ﴿ ثم أدبر يسعى ﴾ أي ولى مدبرا هاربا من الحية، يسرع في مشيه من هول ما رأى ﴿ فحشر فنادى ﴾ أي فجمع السحرة والجنود والأتباع، ووقف خطيبا في الناس ﴿ فقال أنا ربكم الأعلى ﴾ أي فقال لهم بصوت عال: أنا ربكم المعبود العظيم الذي لا رب فوقي ﴿ فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ﴾ أي فأهلكه الله عقوبة له على مقالته الأخيرة ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ والأولى وهي قوله
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38] ﴿ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ﴾ أي إن فيما ذكر من قصة فرعون وطغيانه، وما حل به من العذاب والنكال، لعظة واعتبارا لمن يخاف الله عز وجل ويخشى عقابه.
. ولما انتهى الحديث عن قصة الطاغية فرعون، رجع إلى منكري البعث من كفار قريش فنبههم إلى آثار قدرته، ومظاهر عظمته وجلاله فقال ﴿ أأنتم أشد خلقا أم السمآء ﴾؟ الاستفهام للتقريع والتوبيخ والمعنى هل أنتم يا معشر المشركين أشق وأصعب خلقا أم خلق السماء العظيمة البديعة؟ فإن من رفع السماء على عظمها، هين عليه خلقكم وإحياؤكم بعد مماتكم، فكيف تنكرون البعث؟ قال الرازي: نبههم على أمر يعلم بالمشاهدة، وذلك لأن خلق الإنسان على صغره وضعفه، إذا أضيف إلى خلق السماء على عظمها وعظم أحوالها يسير، وإذا كان كذلك فإعادتهم سهلة فكيف ينكرون ذلك؟ كقوله تعالى
لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس
[غافر: 57] ﴿ بناها ﴾ أي رفعها عالية فوقكم محكمة البناء، بلا عمد ولا أوتاد، ثم زاد في التوضيح والبيان فقال ﴿ رفع سمكها فسواها ﴾ أي رفع جرمها وأعلى سقفها فوقكم فجعلها مستوية لا تفاوت فيها ولا شقوق ولا فطور قال ابن كثير: أي جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء ﴿ وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ﴾ أي جعل ليلها مظلما حالكا، ونهارها مشرقا مضيئا قال ابن عباس: أظلم ليلها وأنار نهارها ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ أي والأرض بعد خلق السماء بسطها ومهدها لسكنى أهلها ﴿ أخرج منها مآءها ومرعاها ﴾ أي أخرج من الأرض عيون الماء المتفجرة، وأجرى فيها الأنهار، وأنبت فيها الكلأ والمرعى مما يأكله الناس والأنعام ﴿ والجبال أرساها ﴾ أي والجبال أثبتها في الأرض، وجعلها كالأوتاد لتستقر وتسكن بأهلها ﴿ متاعا لكم ولأنعامكم ﴾ أي فعل ذلك كله، فأنبع العيون، وأجرى الأنهار، وأنبت الزروع والأشجار، كل ذلك منفعة للعباد وتحقيقا لمصالحهم ومصالح أنعامهم ومواشيهم، قال الرازي: أراد بمرعاها ما يأكله الناس والأنعام، بدليل قوله ﴿ متاعا لكم ولأنعامكم ﴾ وانظر كيف دل بقوله: ﴿ أخرج منها مآءها ومرعاها ﴾ على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام والأنعام من العشب، والشجر، والحب، والثمر، والعصف، والحطب، واللباس والدواء، حتى الملح والنار، فالملح متولد من الماء، والنار من الأشجار.. ولما ذكر تعالى خلق السماوات والأرض، وما أبدع فيهما من عجائب الخلق والتكوين، ليقيم الدليل على إمكان الحشر عقلا، أخبر بعد ذلك عن وقوعه فعلا فقال ﴿ فإذا جآءت الطآمة الكبرى ﴾ أي فإذا جاءت القيامة وهي الداهية العظمى، التي تعم بأهوالها كل شيء، وتعلو على سائر الدواهي قال ابن عباس: هي القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل أمر هائل مفظع ﴿ يوم يتذكر الإنسان ما سعى ﴾ أي في ذلك اليوم يتذكر الإنسان ما عمله من خير أو شر، ويراه مدونا في صحيفة أعماله ﴿ وبرزت الجحيم لمن يرى ﴾ أي أظهرت جهنم للناظرين فرآها الناس عيانا، بادية لكل ذي بصر.. وبعد أن وصف حال القيامة وأهوالها، ذكر انقسام الناس إلى فريقين: أشقياء وسعداء فقال ﴿ فأما من طغى ﴾ أي جاوز الحد في الكفر والعصيان ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ أي فضل الحياة الفانية على الآخرة الباقية، وانهمك في شهوات الحياة المحرمة، ولم يستعد لآخرته بالعمل الصالح ﴿ فإن الجحيم هي المأوى ﴾ أي فإن جهنم المتأججة هي منزله ومأواه، لا منزل له سواها ﴿ وأما من خاف مقام ربه ﴾ أي وأما من خاف عظمة ربه وجلاله، وخاف مقامه بين يدي ربه يوم الحساب، لعلمه ويقينه بالمبدأ والمعاد ﴿ ونهى النفس عن الهوى ﴾ أي وزجر نفسه عن المعاصي والمحارم، وكفها عن الشهوات التي تودي بها إلى المعاطب ﴿ فإن الجنة هي المأوى ﴾ أي فإن منزله ومصيره هي الجنة دار النعيم، ليس له منزل غيرها.