تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[فاطر: 5-6] ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا ﴾ أي ففي هذا اليوم العصيب لا يقبل منكم بدل ولا عوض يا معشر المنافقين، ولا من الكافرين الجاحدين بالله وآياته وفي الحديث

" إن الله تعالى يقول للكافر: أرأيتك لو كان لك أضعاف الدنيا أكنت تفتدي بجميع ذلك من عذاب النار؟! فيقول: نعم يا رب، فيقول الله تبارك وتعالى: قد سألتك ما هو أيسر من ذلك وأنت في ظهر أبيك آدم، أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك "

﴿ مأواكم النار ﴾ أي مقامكم ومنزلكم نار جهنم ﴿ هي مولاكم ﴾ أي هي عونكم وسندكم وناصركم لا ناصر لكم غيرها، وهو تهكم بهم ﴿ وبئس المصير ﴾ أي وبئس المرجع والمنقلب نار جهنم.

قال بعض العلماء: " السعيد من لا يغتر بالطمع ولا يركن إلى الخدع، ومن أطال الأمل نسي العمل، وغفل عن الأجل ".

57.16-29

المناسبة: لما ذكر تعالى اغترار المنافقين والكافرين بالحياة الدنيا، نبه المؤمنين ألا يكونوا مثلهم، أو مثل أهل الكتاب بالاغترار بدار الفناء، ثم ضرب مثلا للحياة الدنيا وبهرجها الخادع الكاذب، وختم السورة الكريمة ببيان فضيلة التقوى والعمل الصالح، وأرشد المؤمنين إلى مضاعفة الأجر والنور باتباعهم هدي الرسول صلى الله عليه وسلم.

اللغة: ﴿ يأن ﴾ يحن يقال: أني يأني مثل رمى يرمي أي حان، قال الشاعر:

ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا

وأن يحدث الشيب المبين لنا عقلا

﴿ تخشع ﴾ تذل وتلين ﴿ الأمد ﴾ الأجل أو الزمان ﴿ يهيج ﴾ هاج الزرع إذا جف ويبس بعد خضرته ونضارته ﴿ حطاما ﴾ فتاتا يتلاشى بالرياح ﴿ قفينا ﴾ ألحقنا وأتبعنا ﴿ كفلين ﴾ مثنى كفل وهو النصيب.

سبب النزول: لما قدم المؤمنون المدينة، أصابوا من لين العيش ورفاهيته، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا ونزلت هذه الآية ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ قال ابن مسعود: " ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنوات ".

التفسير: ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ أي أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم وتلين لمواعظ الله؟ ﴿ وما نزل من الحق ﴾ أي ولما نزل من آيات القرآن المبين؟ ﴿ ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل ﴾ أي ولا يكونوا كاليهود والنصارى الذين أعطاهم الله التوراة والإنجيل ﴿ فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ﴾ أي فطال عليهم الزمن الذي بينهم وبين أنبيائهم، حتى صلبت قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة قال ابن عباس: ﴿ قست قلوبهم ﴾ مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ القرآن وقال أبو حيان: أي صلبت بحيث لا تنفعل للخير والطاعة والغرض أن الله يحذر المؤمنين أن يكونوا مع القرآن كاليهود والنصارى حين قست قلوبهم لما طال عليهم الزمان ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ أي وكثير من أهل الكتاب خارجون عن طاعة الله، رافضون لتعاليم دينهم، من فرط قسوة القلب قال ابن كثير: نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الزمن بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، ونبذوه وراء ظهورهم، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها ﴾ أي اعلموا يا معشر المؤمنين أن الله يحيي الأرض القاحلة المجدبة بالمطر، ويخرج منها النبات بعد يبسها، وهو تمثيل لإحياء القلوب القاسية بالذكر وتلاوة القرآن، كما تحيا الأرض المجدبة بالغيث الهتان قال ابن عباس: يلين القلوب بعد قسوتها فيجعلها مخبتة منيبة، وكذلك يحيي القلوب الميتة بالعلم والحكمة قال في البحر: ويظهر أنه تمثيل لتليين القلوب بعد قسوتها، ولتأثير ذكر الله فيها، فكما يؤثر الغيث في الأرض فتعود بعد إجدابها مخصبة، كذلك تعود القلوب النافرة مقبلة يظهر فيها أثر الخشوع والطاعات ﴿ قد بينا لكم الآيات ﴾ أي وضحنا لكم الحجج والبراهين الدالة على كمال قدرتنا ووحدانيتنا ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ أي لكي تعقلوا وتتدبروا ما أنزل الله في القرآن ﴿ إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا ﴾ أي الذين تصدقوا بأموالهم على الفقراء ابتغاء وجه الله، والذين أنفقوا في سبيل الله وفي وجوه البر والإحسان طيبة بها نفوسهم ﴿ يضاعف لهم ولهم أجر كريم ﴾ أي يضاعف لهم ثوابهم بأن تكتب الحسنة بعشر أمثالها، ولهم فوق ذلك ثواب حسن جزيل وهو الجنة قال المفسرون: أصل ﴿ المصدقين ﴾ المتصدقين أدغمت التاء في الصاد فصارت المصدقين، ومعنى القرض الحسن هو التصدق عن طيب النفس، وخلوص النية للفقير، فكأن الإنسان بإحسانه إلى الفقير قد أقرض الله قرضا يستحق عليه الوفاء في دار الجزاء ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ﴾ أي صدقوا بوحدانية الله ووجوده، وآمنوا برسله إيمانا راسخا كاملا، لا يخالجه شك ولا ارتياب ﴿ أولئك هم الصديقون والشهدآء عند ربهم ﴾ أي أولئك الموصوفون بالإيمان بالله ورسله، هم الذين جمعوا أعلى المراتب فحازوا درجة الصديقية والشهادة في سبيل الله قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صديق وشهيد ﴿ لهم أجرهم ونورهم ﴾ أي لهم في الآخرة الثواب الجزيل، والنور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ﴿ والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم ﴾ أي والذين جحدوا بوحدانية الله وكذبوا بآياته أولئك هم المخلدون في دار الجحيم قال البيضاوي: فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار، من حيث أن الصيغة تشعر بالاختصاص ﴿ أولئك أصحاب الجحيم ﴾ والصحبة تدل على الملازمة.

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٠٤