يوم ندعوا كل أناس بإمامهم
[الإسراء: 71] أي بكتاب أعمالهم، الشاهد عليهم بما عملوه من خير أو شر، وقال مجاهد وقتادة: هو اللوح المحفوظ وقال أبو حيان: " ونكتب ما قدموا " أي ونحصي، فعبر عن إحاطة علمه جل وعلا بأعمالهم بالكتابة التي تضبط بها الأشياء.. ثم ذكر تعالى للمشركين قصة أهل القرية الذين كذبوا الرسل فأهلكهم الله بصيحة من السماء فقال ﴿ واضرب لهم مثلا أصحاب القرية ﴾ أي واذكر يا محمد لقومك الذين كذبوك قصة أصحاب القرية " إنطاكية " التي هي في الغرابة كالمثل السائر والقول العجيب ﴿ إذ جآءها المرسلون ﴾ أي حين جاءهم رسلنا الذين أرسلناهم لهدايتهم قال القرطبي: وهذه القرية هي " إنطاكية " في قول جميع المفسرين أرسل الله إليهم ثلاثة رسل وهم " صادق " و " مصدوق " و " شمعون " أمر صلى الله عليه وسلم بإنذار هؤلاء المشركين أن يحل بهم ما حل بكفار أهل القرية المبعوث إليهم ثلاثة رسل من الله، وقيل هم رسل عيسى ﴿ إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما ﴾ أي حين بعثنا إليهم رسولين فبادروهما بالتكذيب ﴿ فعززنا بثالث ﴾ أي قويناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث ﴿ فقالوا إنآ إليكم مرسلون ﴾ أي نحن رسل الله مرسلون لهدايتكم ﴿ قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ أي ليس لكم فضل علينا وما أنتم إلا بشر مثلنا، فكيف أوحى الله إليكم دوننا؟ ﴿ ومآ أنزل الرحمن من شيء ﴾ أي لم ينزل الله شيئا من الوحي والرسالة ﴿ إن أنتم إلا تكذبون ﴾ أي ما أنتم إلا قوم تكذبون في دعوى الرسالة ﴿ قالوا ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون ﴾ أي أجابهم الرسل بقولهم الله يعلم أننا رسله إليكم، ولو كنا كذبة لانتقم منا أشد الانتقام قال ابن جزي: أكدوا الخبر هنا باللام ﴿ لمرسلون ﴾ لأنه جواب المنكرين، بخلاف الموضع الأول فإنه إخبار مجرد ﴿ وما علينآ إلا البلاغ المبين ﴾ أي وليس علينا إلا أن نبلغكم رسالة الله بلاغا واضحا جليا لا غموض فيه، فإن آمنتم فلكم السعادة، وإن كذبتم فلكم الشقاوة قال أبو حيان: وفي هذا وعيد لهم، ووصف البلاغ ب ﴿ المبين ﴾ لأنه الواضح بالآيات الشاهدة بصحة الإرسال، كما روي في هذه القصة من المعجزات الدالة على صدق الرسل، من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الميت ﴿ قالوا إنا تطيرنا بكم ﴾ أي قال لهم أهل القرية: إنا تشاءمنا بكم وبدعوتكم القبيحة لنا إلى الإيمان، وترك عبادة الأوثان قال المفسرون: ووجه تشاؤمهم بالرسل أنهم دعوهم إلى دين غير ما يدينون به، فاستغربوه واستقبحوه ونفرت عنه طبيعتهم المعوجة، فتشاءموا بمن دعا إليه كأنهم قالوا: أعاذنا الله مما تدعوننا إليه، ثم توعدوا الرسل بقولهم ﴿ لئن لم تنتهوا ﴾ أي والله لئن لم تمتنعوا عن قولكم، ودعوتكم لنا إلى التوحيد، ورفض ديننا ﴿ لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ﴾ أي لنرجمنكم بالحجارة حتى تموتوا، ولنقتلنكم شر قتلة ﴿ قالوا طائركم معكم ﴾ أي قالت الرسل لهم: ليس شؤمكم بسببنا، وإنما شؤمكم بسببكم، وبكفركم، وعصيانكم، وسوء أعمالكم ﴿ أئن ذكرتم ﴾؟ شرط جوابه محذوف لدلالة السياق عليه أي أئن ذكرناكم ووعظناكم ودعوناكم إلى توحيد الله، تشاءمتم بنا وتوعدتمونا بالرجم والتعذيب؟ ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ أي ليس الأمر كما زعمتم بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في العصيان والإجرام، وهو توبيخ لهم مع الزجر والتقريع ﴿ وجآء من أقصى المدينة رجل يسعى ﴾ أي وجاء من أبعد أطراف المدينة رجل يعدو، يسرع في مشيه وهو " حبيب النجار " قال ابن كثير: إن أهل القرية هموا بقتل رسلهم، فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى لينصرهم من قومه، وهو حبيب النجار كان يعمل الحرير وهو الحباك، وكان كثير الصدقة يتصدق بنصف كسبه وقال القرطبي: كان حبيب مجذوما ومنزله عند أقصى أبواب المدينة، وكان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره، فما استجابوا له، فلما أبصر الرسل ودعوه إلى الله قال: هل من آية؟ قالوا نعم نحن ندعو ربنا القادر فيفرج عنك ما بك! فقال إن هذا لعجيب، إني أدعو هذه الآلهة سبعين سنة لتفرج عني فلم تستطع فكيف يفرجه ربكم في غداة واحدة؟ قالوا نعم ربنا على ما يشاء قدير، وهذه لا تنفع شيئا ولا تضر، فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به، فلما هم قومه بقتل الرسل جاءهم مسرعا وقال ما قصة القرآن ﴿ قال يقوم اتبعوا المرسلين ﴾ أي اتبعوا الرسل الكرام الداعين إلى توحيد الله، وإنما قال ﴿ يقوم ﴾ تأليفا لقلوبهم واستمالة لها لقبول النصيحة، ثم كرر القول تأكيدا وبيانا للسبب فقال ﴿ اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ﴾ أي اتبعوا هؤلاء الرسل الصادقين المخلصين، الذين لا يسألونكم أجرة على الإيمان، وهم على هدى وبصيرة فيما يدعونكم إليه من توحيد الله ﴿ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ﴾ تلطف في الإرشاد لهم كأنه ينصح نفسه، ويختار لهم ما يختار لنفسه، وفيه نوع تقريع على ترك عبادة خالقهم والمعنى أي شيء يمنعني من أن أعبد خالقي الذي أبدع خلقي؟ وإليه مرجعكم بعد الموت فيجازي كلا بعمله؟ ﴿ أأتخذ من دونه آلهة ﴾ استفهام إنكاري أي كيف أتخذ من دون الله آلهة لا تسمع ولا تنفع ولا تغني عن عابدها شيئا؟ ﴿ إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ﴾ أي هي في المهانة والحقارة بحيث لو أراد الله أن ينزل بي شيئا من الضر والأذى وشفعت لي لم تنفع شفاعتهم ولم يقدروا على إنقاذي، فكيف وهي أحجار لا تسمع ولا تنفع ولا تشفع؟ ﴿ ولا ينقذون ﴾ أي ولا يقدرون على إنقاذي من عذاب الله ﴿ إني إذا لفي ضلال مبين ﴾ أي إني إن عبدت غير الله واتخذت الأصنام آلهة لفي خسران ظاهر جلي.