تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28.43-70

المناسبة: بعد أن ذكر تعالى نعمته على بني إسرائيل بإهلاك فرعون رأس الطغيان وتخليصهم من شره، ذكر هنا ما أنعم به عليهم من إنزال التوراة التي فيها الهدى والنور، كما ذكر نعمته على العرب بإنزال القرآن العظيم خاتمة الكتب السماوية.

اللغة: ﴿ ثاويا ﴾ مقيما وثوى بالمكان أقام به قال الشاعر:

" لقد كان في حول ثواء ثويته "

﴿ يدرؤن ﴾ يدفعون، والدرء: الدفع وفي الحديث

" ادرءوا الحدود بالشبهات "

﴿ يجبى ﴾ يجمع، جبى الماء في الحوض جمعه، والجابية: الحوض العظيم ﴿ بطرت ﴾ البطر: الطغيان في النعمة ﴿ الأنبآء ﴾ الأخبار جمع نبأ وهو الخبر الهام.

سبب النزول:

" لما حضرت أبا طالب الوفاة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم قل " لا إله إلا الله " أشهد لك بها يوم القيامة فقال أبو طالب: لولا أن تعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله عز وجل ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء وهو أعلم بالمهتدين ﴾ ".

التفسير: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا القرون الأولى ﴾ اللام موطئة للقسم أي والله لقد أعطينا موسى التوراة من بعد ما أهلكنا الأمم التي كانت قبله كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من المكذبين لرسلهم ﴿ بصآئر للناس ﴾ أي ضياء لبني إسرائيل ونورا لقلوبهم يتبصرون بها الحقائق، ويميزون بها بين الحق والباطل ﴿ وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ﴾ أي وهدى من الضلالة، ورحمة لمن آمن بها ليتعظوا بما فيها من المواعظ والإرشادات الإلهية ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي، وهو المكان الذي كلم الله تعالى به موسى ﴿ إذ قضينآ إلى موسى الأمر ﴾ أي حين أوحينا إلى موسى بالنبوة وأرسلناه إلى فرعون وقومه ﴿ وما كنت من الشاهدين ﴾ أي وما كنت من الحاضرين في ذلك المكان، ولكن الله أوحى إليك ذلك ليكون حجة وبرهانا على صدقك قال ابن كثير: يقول تعالى منبها على برهان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك، والمعنى ما كنت حاضرا لذلك ولكن الله أوحاه إليك لتخبرهم بتلك المغيبات ﴿ ولكنآ أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر ﴾ أي ولكننا خلقنا أمما وأجيالا من بعد موسى، فتطاول عليهم الزمان، وطالت الفترة فنسوا ذكر الله، وبدلوا وحرفوا الشرائع فأرسلناك يا محمد لتجدد أمر الدين قال أبو السعود: المعنى ولكنا خلقنا بين زمانك وزمان موسى قرونا كثيرة، فتمادى عليهم الأمر، فتغيرت الشرائع والأحكام، وعميت عليهم الأنباء فأوحينا إليك، فحذف المستدرك اكتفاء بذكر الموجب ﴿ وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ﴾ أي وما كنت يا محمد مقيما في أهل مدين فتعلم خبر موسى وشعيب وابنتيه فتتلو ذلك على أهل مكة ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ أي ولكنا أرسلناك في أهل مكة وأخبرناك بتلك الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ أي وما كنت أيضا بجانب جبل الطور وقت ندائنا لموسى وتكليمنا إياه ﴿ ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك ﴾ أي لم تشاهد شيئا من أخبار وقصص الأنبياء، ولكنا أوحيناها إليك، وقصصناها عليك، رحمة من ربك لتخوف قوما ما جاءهم رسول قبلك يا محمد ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ أي لعلهم يتعظون بما جئتهم به من الآيات البينات، فيدخلوا في دينك قال المفسرون: المراد بالقوم الذين كانوا في زمن الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وهي نحو من ستمائة سنة ﴿ ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ أي ولولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم ﴿ فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ﴾ أي فيقولوا عند ذلك ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا يبلغنا آياتك فنتبعها ونكون من المصدقين بها!! قال القرطبي: وجواب ﴿ لولا ﴾ محذوف وتقديره لما بعثنا الرسل، وقال في التسهيل: ﴿ لولا ﴾ الأولى حرف امتناع، و ﴿ لولا ﴾ الثانية عرض وتحضيض، والمعنى: لولا أن تصيبهم مصيبة بكفرهم لم نرسل الرسل، وإنما أرسلناهم على وجه الإعذار وإقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين، ثم أخبر تعالى عن عناد المشركين وتعنتهم في رد الحق فقال ﴿ فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى ﴾ أي فلما جاء أهل مكة الحق المبين وهو محمد بالقرآن المعجز من عندنا قالوا - على وجه التعنت والعناد - هلا أعطي محمد من الآيات الباهرة، والحجج القاهرة مثل ما أعطي موسى من العصا واليد!! قال تعالى ردا عليهم ﴿ أولم يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل ﴾؟ أي أو لم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات الباهرة؟! قال مجاهد: أمرت اليهود قريشا أن يقولوا لمحمد: ائتنا بمثل ما جاء به موسى من المعجزات، فرد الله عليهم بأنهم كفروا بآيات موسى، فالضمير في ﴿ أولم يكفروا ﴾ لليهود، وهذا اختيار ابن جرير وقال أبو حيان: ويظهر عندي أن الضمير عائد على قريش الذين قالوا لولا أوتي محمد مثل ما أوتي موسى، وذلك أن تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم تكذيب لموسى، ونسبتهم السحر للرسول نسبة السحر لموسى، إذ الأنبياء من واد واحد فمن نسب إلى أحد من الأنبياء ما لا يليق كان ناسبا ذلك إلى جميع الأنبياء، وتتناسق حينئذ الضمائر كلها ﴿ قالوا سحران تظاهرا ﴾ أي وقال المشركون ما التوراة والقرآن إلا من قبيل السحر، فهما سحران تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر قال السدي: صدق كل واحد منهما الآخر ﴿ وقالوا إنا بكل كافرون ﴾ أي إنا بكل من الكتابين كافرون قال أبو السعود: وهذا تصريح بكفرهم بهما وذلك لغاية عتوهم وتماديهم في الكفر والطغيان ﴿ قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهمآ أتبعه ﴾ أمر على وجه التعجيز أي قل لهم يا محمد إنكم إذ كفرتم بهذين الكتابين مع ما تضمنا من الشرائع والأحكام ومكارم الأخلاق فائتوني بكتاب منزل من عند الله أهدى منهما وأصلح أتمسك به ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أي في أنهما سحران قال ابن كثير: وقد علم بالضرورة لذوي الألباب أن الله تعالى لم ينزل كتابا من السماء أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم من الكتاب الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى، وهو الكتاب الذي قال فيه

صفوة التفاسير · الصفحة ٤٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٤٩١