. ثم إنه تعالى بعد أن نبه على إعجاز القرآن وصدق نبوة محمد عليه السلام رد على قول من زعم من الكفار أن القرآن من إلقاء الجن والشياطين كسائر ما ينزل على الكهنة فقال ﴿ وما تنزلت به الشياطين ﴾ أي وما تنزلت بهذا القرآن الشياطين، بل نزل به الروح الأمين ﴿ وما ينبغي لهم وما يستطيعون ﴾ أي وما يصح ولا يستقيم أن يتنزل بهذا القرآن الشياطين، ولا يستطيعون ذلك أصلا ﴿ إنهم عن السمع لمعزولون ﴾ أي لأنهم منعوا من استراق السمع منذ بعث محمد عليه اسلام، وحيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب، فكيف يستطيعون أن يتنزلوا به؟ قال ابن كثير: ذكر تعالى أنه يمتنع ذلك عليهم من ثلاثة أوجه: أحدها أنه ما ينبغي لهم لأن سجاياهم الفساد، وإضلال العباد، وهذا فيه نور وهدى وبرهان عظيم، الثاني: أنه لو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك، وهذا من حفظ الله لكتابه وتأييده لشرعه الثالث: أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن، لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا، فلم يخلص أحد من الشياطين لاستماع حرف واحد منه لئلا يشتبه الأمر ﴿ فلا تدع مع الله إلها آخر ﴾ الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد غيره أي لا تعبد يا محمد مع الله معبودا آخر ﴿ فتكون من المعذبين ﴾ أي فيعذبك الله بنار جهنم قال ابن عباس: يحذر به غيره يقول: أنت أكرم الخلق علي، ولو اتخذت من دوني إلها لعذبتك، ثم أمر تعالى رسوله بتبليغ الرسالة فقال ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ أي خوف أقاربك الأقرب منهم فالأقرب من عذاب الله إن لم يؤمنوا، روي
" أنه صلى الله عليه وسلم قام حين نزلت عليه ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ فقال: " يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا "
قال المفسرون: وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بإنذار أقاربه أولا لئلا يظن أحد به المحاباه واللطف معهم فإذا تشدد على نفسه وعلى أقاربه كان قوله أنفع، وكلامه أنجع ﴿ واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ﴾ أي تواضع وألن جانبك لأتباعك المؤمنين ﴿ فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ﴾ أي فإن لم يطيعوك وخالفوا أمرك فتبرأ منهم ومن أعمالهم قال أبو حيان: لما كان الإنذار يترتب عليه الطاعة أو العصيان جاء التقسيم عليهما فكأن المعنى: من اتبعك مؤمنا فتواضع له، ومن عصاك فتبرأ منهم ومن أعمالهم ﴿ وتوكل على العزيز الرحيم ﴾ أي فوض جميع أمورك إلى الله العزيز، الذي يقهر أعداءك بعزته، وينصرك عليهم برحمته ﴿ الذي يراك حين تقوم ﴾ أي يراك حين تكون وحدك تقوم من فراشك أو مجلسك وقال ابن عباس: حين تقوم إلى الصلاة ﴿ وتقلبك في الساجدين ﴾ أي ويرى تقلبك مع المصلين في الركوع والسجود والقيام، والمعنى يراك وحدك ويراك في الجماعة ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ أي إنه تعالى السميع لما تقوله، العليم بما تخفيه ﴿ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ﴾؟ أي قل يا محمد لكفار مكة: هل أخبركم على من تتنزل الشياطين؟ وهذا رد عليهم حين قالوا إنما يأتيه بالقرآن الشياطين ﴿ تنزل على كل أفاك أثيم ﴾ أي تتنزل على كل كذاب فاجر، مبالغ في الكذب والعدوان، لا على سيد ولد عدنان ﴿ يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ﴾ أي تلقي الشياطين ما استرقوه من السمع إلى أوليائهم الكهنة، وأكثرهم يكذبون فيما يوحون به إليهم وفي الحديث
" تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها - أي يلقيها - في أذن وليه كقرقرة الدجاج، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبه "
قال الزمخشري: ﴿ يلقون السمع ﴾ هم الشياطين كانوا قبل أن يحجبوا بالرجم يسمعون إلى الملأ الأعلى، فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم من الكهنة والمتنبئة " وأكثرهم كاذبون " فيما يوحون به إليهم، لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا، ثم رد تعالى على من زعم أن محمدا شاعر فقال ﴿ والشعرآء يتبعهم الغاوون ﴾ أي يتبعهم الضالون لا أهل البصيرة والرشاد ﴿ ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ﴾ أي ألم تر أيها السامع العاقل أنهم يسلكون في المديح والهجاء كل طريق، يمدحون الشيء بعد أن ذموه، ويعظمون الشخص بعد أن احتقروه قال الطبري: وهذا مثل ضربه الله لهم في افتتانهم في الوجوه التي يفتنون فيها بغير حق، فيمدحون بالباطل قوما ويهجون آخرين ﴿ وأنهم يقولون ما لا يفعلون ﴾ أي يكذبون فينسبون لأنفسهم ما لم يعملوه قال أبو حيان: أخبر تعالى عن الشعراء بالأحوال التي تخالف حال النبوة، إذ أمرهم كما ذكر من اتباع الغواة لهم، وسلوكهم أفانين الكلام من مدح الشيء وذمه، ونسبة ما لا يقع منهم إليهم، وهذا مخالف لحال النبوة فإنها طريقة واحدة لا يتبعها إلا الراشدون، ثم استثنى تعالى فقال ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أي صدقوا في إيمانهم وأخلصوا في أعمالهم ﴿ وذكروا الله كثيرا ﴾ أي لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله ولم يجعلوه همهم وديدنهم ﴿ وانتصروا من بعد ما ظلموا ﴾ أي هجوا المشركين دفاعا عن الحق ونصرة للإسلام ﴿ وسيعلم الذين ظلموا ﴾ وعيد عام في كل ظالم، تتفتت له القلوب وتتصدع لهوله الأكباد أي وسيعلم الظالمون المعادون لدعوة الله ومعهم الشعراء الغاوون ﴿ أي منقلب ينقلبون ﴾؟ أي أي مرجع يرجعون إليه؟ وأي مصير يصيرون إليه؟ فإن مرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع، ومصيرهم إلى النار وهو أقبح مصير.