ثم لما ذكر تعالى هدايته لمن يشاء من عباده، ذكر مواطن هذه العبادة وهي المساجد أحب البقاع إلى الله فقال ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ﴾ أي أمر تعالى أن تبنى وتشاد على اسمه خاصة، وأن تعظم ويرفع شأنها لتكون منارات للهدى ومراكز للإشعاع الروحي قال ابن عباس: المساجد بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض ﴿ ويذكر فيها اسمه ﴾ أي بعبد فيها الله بتوحيده، وذكره، وتلاوة آياته ﴿ يسبح له فيها بالغدو والآصال ﴾ أي يصلي لله تعالى في هذه المساجد في الصباح والمساء والمؤمنون قال ابن عباس: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ أي لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها عن ذكر ربهم، ولا يلهيهم البيع والشراء عن طاعة الله قال المفسرون: نزلت هذه الآية في أهل الأسواق من الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا إذا سمعوا النداء تركوا كل شغل وبادروا لطاعة الله ﴿ وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة ﴾ أي ولا تشغلهم الدنيا عن إقامة الصلاة في أوقاتها، ودفع الزكاة للفقراء والمستحقين بحدودها وشروطها ﴿ يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ أي يخافون يوما رهيبا تضطرب من شدة هوله وفزعه قلوب الناس وأبصارهم ﴿ ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ﴾ أي ليكافئهم على أعمالهم في الدنيا بأحسن الجزاء، ويجزيهم على الإحسان إحسانا، وعلى الإساءة عفوا وغفرانا ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ أي يتفضل عليهم فوق ذلك الجزاء بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿ والله يرزق من يشآء بغير حساب ﴾ أي يعطي من شاء من خلقه عطاء واسعا بدون حد ولا عد يقال فلان ينفق بغير حساب أي يوسع كأنه لا يحسب ما ينفقه قال الإمام الفخر: نبه به على كمال قدرته، وكمال جوده، وسعة إحسانه، فإنه سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم، ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم، ولما ذكر تعالى حال المؤمن وسعادته، ذكر حال الكافر وخسارته، وضرب لذلك مثلين: الأول لعمله والثاني لاعتقاده وتخبطه في الظلمات فقال ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ﴾ أي إن أعمال الكفار التي عملوها في الدنيا وظنوها أعمالا صالحة نافعة لهم في الآخرة كالسراب الذي يرى في القيعان وهو ما يرى في الفلوات من ضوء الشمس في الهجيرة حتى يظهر كأنه ماء يجري على وجه الأرض ﴿ يحسبه الظمآن مآء ﴾ أي يظنه العطشان من بعيد ماء جاريا ﴿ حتى إذا جآءه ﴾ أي حتى إذا وصل إليه ﴿ لم يجده شيئا ﴾ أي لم ير ماء ولا شرابا، وإنما رآى سرابا فعظمت حسرته ﴿ ووجد الله عنده فوفاه حسابه ﴾ أي وجد الله له بالمرصاد فوفاه جزاء عمله، فكذلك الكافر يحسب أن عمله ينفعه حتى إذا مات وقدم على ربه لم يجد شيئا من الأعمال لأنها ذهبت هباء منثورا ﴿ والله سريع الحساب ﴾ أي يعجل الحساب لأنه لا يشغله محاسبة واحد عن آخر ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ هذا المثل الثاني لضلال الكفار والمعنى أو مثلهم كظلمات متكاثفة في بحر عميق لا يدرك قعره ﴿ يغشاه موج من فوقه موج ﴾ أي يغطي ذلك البحر ويعلوه موج متلاطم بعضه فوق بعض ﴿ من فوقه سحاب ﴾ أي من فوق ذلك الموج الثاني سحاب كثيف ﴿ ظلمات بعضها فوق بعض ﴾ أي هي ظلمات متكاثفة متراكمة بعضها فوق بعض قال قتادة: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار ﴿ إذآ أخرج يده لم يكد يراها ﴾ هذا من تتمة التمثيل أي إذا أخرج ذلك الإنسان الواقع في هذه الظلمات يده لم يقارب رؤيتها فإن ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب قد تكاثفت حتى حجبت عنه رؤية أقرب شيء إليه من شدة الظلمة فكذلك شأن الكافر يتخبط في ظلمات الكفر والضلال ﴿ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ﴾ أي ومن لم يهده الله للإيمان وينور قلبه بنور الإسلام لم يهتد أبد الدهر، ذكر تعالى لعمل الكافر مثالين: الأول لعمله الصالح ومثل له بالسراب الخادع، والثاني لاعتقاده السيء ومثل له بالظلمات المتراكم بعضها فوق بعض ثم ختم الآية الكريمة ذلك الختام الرائع ﴿ ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ﴾ مقابل قوله في المؤمن ﴿ نور على نور ﴾ فكان هذا التمثيل والبيان في غاية الحسن والجمال، فلله ما أروع تعبير القرآن!! ولما وصف سبحانه أنوار قلوب وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد فقال ﴿ ألم تر أن الله يسبح له من في السموت والأرض ﴾ أي ألم تعلم يا محمد علما يقينا أن الله العظيم الكبير يسبح له كل من في الكون من ملك، وإنس، وجن، ينزهه ويقدسه ساكنوها؟ ﴿ والطير صآفات ﴾ أي والطير باسطات أجنحتهن حال الطيران تسبح ربها وتعبده كذلك بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه تعالى ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه ﴾ أي كل من الملائكة والإنس والجن والطير قد أرشد وهدي إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله، وما كلف به من الصلاة والتسبيح ﴿ والله عليم بما يفعلون ﴾ أي لا تخفى عليه طاعتهم ولا تسبيحهم ﴿ ولله ملك السموت والأرض ﴾ أي هو المالك والمتصرف في الكون، وجميع المخلوقات تحت ملكه يتصرف فيهم تصرف القاهر الغالب ﴿ وإلى الله المصير ﴾ أي وإليه مرجع الخلائق فيجازيهم على أعمالهم وهو تذكير يتضمن الوعيد، ثم أشار تعالى إلى ظاهرة كونية تدل على قدرته ووحدانيته فقال ﴿ ألم تر أن الله يزجي سحابا ﴾ أي يسوق بقدرته السحاب إلى حيث يشاء ﴿ ثم يؤلف بينه ﴾ أي يجمعه بعد تفرقه ﴿ ثم يجعله ركاما ﴾ أي يجعله كثيفا متراكما بعضه فوق بعض ﴿ فترى الودق يخرج من خلاله ﴾ أي فترى المطر يخرج من بين السحاب الكثيف ﴿ وينزل من السمآء من جبال فيها من برد ﴾ أي وينزل من السحاب الذي هو كأمثال الجبال بردا ﴿ فيصيب به من يشآء ﴾ أي فيصيب بذلك البرد من شاء من العباد فيضره في زرعه وثمرته وماشيته ﴿ ويصرفه عن من يشآء ﴾ أي ويدفعه عمن يشاء فلا يضره قال الصاوي: كما ينزل المطر من السماء وهو نفع للعباد كذلك ينزل منها البرد وهو ضرر للعباد، فسبحان من جعل السماء منشأ للخير والشر ﴿ يكاد سنا برقه ﴾ أي يقرب ضوء برق السحاب ﴿ يذهب بالأبصار ﴾ أي يخطف أبصار الناظرين من شدة إضاءته وقوة لمعانه ﴿ يقلب الله الليل والنهار ﴾ أي يتصرف فيهما بالطول والقصر، والظلمة والنور، والحر والبرد ﴿ إن في ذلك لعبرة ﴾ أي إن فيما تقدم ذكره لدلالة واضحة، وعظة بليغة على وجود الصانع المبدع ﴿ لأولي الأبصار ﴾ أي لذوي البصائر المستنيرة، وخصهم بالذكر لأنهم المنتفعون حيث يتأملون فيجدون الماء والبرد، والظلمة والنور تخرج من شيء واحد، فسبحان القادر على كل شيء ﴿ والله خلق كل دآبة من مآء ﴾ استدل على وحدانيته بتسبيح أهل السماء والأرض، ثم بتصريف السحاب وإنزال المطر، ثم بأحوال الحيوانات قال ابن كثير: يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه أنواع المخلوقات على اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها من ماء واحد ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ أي فمنهم من يزحف على بطنه كالحية والزواحف ﴿ ومنهم من يمشي على رجلين ﴾ كالإنسان والطير ﴿ ومنهم من يمشي على أربع ﴾ كالأنعام وسائر الدواب قال أبو حيان: قدم ما هو أظهر في القدرة وأعجب وهو الماشي بغير آلة من رجل وقوائم، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع ﴿ يخلق الله ما يشآء ﴾ أي يخلق تعالى بقدرته ما يشاء من المخلوقات ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ أي هو قادر على ما يشاء لا يمنعه مانع، ولا يدفعه دافع قال الفخر: واعلم أن العقول قاصرة عن الإحاطة بأحوال أصغر الحيوانات على الكمال، والاستدلال بها على الصانع ظاهر، لأنه لو كان الأمر بتركيب الطبائع الأربع لكان في الكل على السوية، فاختصاص كل واحد من هذه الحيوانات بأعضائها وأعمارها ومقادير أبدانها لا بد وأن يكون بتدبير قاهر حكيم، سبحانه وتعالى عما يقول الجاحدون ﴿ لقد أنزلنآ آيات مبينات ﴾ أي لقد أنزلنا إليكم أيها الناس آيات واضحات، دالات على طريق الحق والرشاد ﴿ والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم ﴾ أي يرشد من يشاء من خلقه إلى الدين الحق وهو الإسلام، ولما ذكر دلائل التوحيد حذر من النفاق والمنافقين فقال ﴿ ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ﴾ أي يقول المنافقون صدقنا بالله وبالرسول وأطعنا الله ورسوله ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ أي ثم يعرض جماعة منهم عن قبول حكمه ﴿ من بعد ذلك ﴾ أي من بعدما صدر منهم ما صدر من دعوى الإيمان ﴿ ومآ أولئك بالمؤمنين ﴾ أي وليس أولئك الذين يدعون الإيمان والطاعة بمؤمنين على الحقيقة قال الحسن: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر ﴿ وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ﴾ أي وإذا دعوا إلى حكم الله أو حكم رسوله ﴿ إذا فريق منهم معرضون ﴾ أي استنكفوا وأعرضوا عن الحضور إلى مجلس الرسول ﴿ وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ﴾ أي وإن كان الحق بجانبهم جاءوا إلى رسول الله طائعين منقادين لعلمهم أنه عليه السلام يحكم بالحق قال الفخر: نبه تعالى على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا أن الحق لغيرهم؛ أما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا على الإعراض وأذعنوا ببذل الرضا ﴿ أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا ﴾ أي هل في قلوبهم نفاق؟ أم شكوا في نبوته عليه السلام؟ ﴿ أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ﴾ أي أم يخافون أن يظلمهم رسول الله في الحكم، والاستفهام للمبالغة في التوبيخ والذم كقول الشاعر:
صفوة التفاسير · الصفحة ٤٥٢
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
صفوة التفاسيرص ٤٥٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي