24.21-34
المناسبة: لما ذكر تعالى حادثة الإفك، أتبعها بالتحذير من سلوك طريق الشيطان المتربص بالإنسان الذي يدعو إلى السوء والشر والفساد، ثم ذكر تعالى آداب الاستئذان والزيارة لأن أهل الإفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت الخلوة فصارت طريقا للتهمة، فأوجب تعالى ألا يدخل إنسان ببيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام، ثم أتبعها بآيات غض البصر.
اللغة: ﴿ يأتل ﴾ يحلف والألية: اليمين ومنه
يؤلون من نسآئهم
[البقرة: 226] اي يحلفون ﴿ المحصنات ﴾ العفائف الشريفات الطاهرات جمع محصنة وهي العفيفة ﴿ مبرءون ﴾ منزهون والبراءة: النزاهة مما نسب للإنسان من تهمة ﴿ تستأنسوا ﴾ تستأذنوا وأصله في اللغة: طلب الأنس بالشيء قال الشاعر:
عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ
عوى وصوت إنسان فكدت أطير
﴿ يغضوا ﴾ غض بصره: خفضه ونكسه وأصله إطباق الجفن على الجفن قال جرير:
فغض الطرف إنك من نمير
فلا كعبا بلغت ولا كلابا
﴿ بخمرهن ﴾ جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها، وخمروا الآنية أي غطوها ﴿ جيوبهن ﴾ جمع جيب وهو الصدر ﴿ الإربة ﴾ الحاجة إلى النساء.
سبب النزول: أ - كان أبو بكر الصديق ينفق على " مسطح بن أثاثة " لمسكنته وقرابته، فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبدا فأنزل الله ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة.. ﴾ الآية فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.
ب - عن علي كرم الله وجهه قال: مر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجابا به، فبينما الرجل يمشي إلى جانب حائط ينظر إليها إذ استقبله الحائط " أي صدمه الحائط " فشق أنفه فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلمه أمري، فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا عقوبة ذنبك فأنزل الله ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم.. ﴾ الآيات.
التفسير: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ أي يا من صدقتم بالله ورسوله لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه بإشاعة الفاحشة، والإصغاء إلى الإفك والقول به ﴿ ومن يتبع خطوات الشيطان ﴾ أي ومن يتبع سيرة الشيطان وطريقته ﴿ فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر ﴾ أي فإن الشيطان يضل الإنسان ويغويه لأنه يأمر بالفحشاء وهي ما أفرط قبحه ، والمنكر وهو ما ينكره الشرع وتنفر منه العقول السليمة ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ أي لولا فضل الله عليكم أيها المؤمنون بالتوفيق للتوبة الماحية للذنوب، وبشرع الحدود المكفرة للخطايا ﴿ ما زكى منكم من أحد أبدا ﴾ أي ما تطهر أحد منكم من الأوزار أبد الدهر ﴿ ولكن الله يزكي من يشآء ﴾ أي ولكن الله بفضله ورحمته يطهر من يشاء بتوفيقه للتوبة النصوح وقبولها منه قال القرطبي: والغرض أن تزكيته لكم، وتطهيره وهدايته إنما هي بفضله لا بأعمالكم ﴿ والله سميع عليم ﴾ أي سميع لأقوالكم عليم بنياتكم وضمائركم ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ﴾ أي لا يحلف أهل الفضل في الدين وأصحاب الغنى واليسار ﴿ أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ﴾ أي أن لا يؤتوا أقاربهم من الفقراء والمهاجرين ما كانوا يعطونهم إياه من الإحسان لذنب فعلوه ﴿ وليعفوا وليصفحوا ﴾ أي وليعفوا عما كان منهم من جرم، وليصفحوا عما بدر منهم من إساءة، وليعودوا إلى ما كانوا عليه من الإنعام والإحسان ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم ﴾ أي ألا تحبون أيها المؤمنون أن يغفر الله لكم على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم؟ روي أن أبا بكر لما سمع الآية قال: بلى أحب أن يغفر الله لي وأعاد النفقة إلى مسطح وكفر عن يمينه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا!! قال المفسرون: والآية دالة على فضل أبي بكر فإن الله تعالى امتدحه بقوله ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل ﴾ وكفى به دليلا على فضل الصديق رضي الله عنه وأرضاه ﴿ والله غفور رحيم ﴾ أي مبالغ في المغفرة والرحمة مع كمال قدرته على العقاب، ثم توعد تعالى الذين يرمون العفائف الطاهرات فقال ﴿ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ﴾ أي يقذفون بالزنى العفيفات، السليمات الصدور، النقيات القلوب عن كل سوء وفاحشة ﴿ المؤمنات ﴾ أي المتصفاب بالإيمان مع طهارة القلب ﴿ لعنوا في الدنيا والآخرة ﴾ أي طردوا وأبعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة قال ابن عباس: هذا اللعن فيمن قذف زوجات النبي صلى الله عليه وسلم إذ ليس له توبة، ومن قذف مؤمنة جعل الله له توبه وقال أبو حمزة: نزلت في مشركي مكة، كانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفوها وقالوا خرجت لتفجر ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ أي ولهم مع اللعنة عذاب هائل لا يكاد يوصف بسبب ما ارتكبوا من إثم وجريمة ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ﴾ أي وذلك العذاب الشديد في ذلك اليوم الرهيب - يوم القيامة - حين تشهد على الإنسان جوارحه فتنطق الألسنة والأيدي والأرجل بما اقترف من سيء الأعمال ﴿ يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ﴾ أي يوم القيامة ينالهم حسابهم وجزاؤهم العادل من أحكم الحاكمين ﴿ ويعلمون أن الله هو الحق المبين ﴾ أي ويعلمون حينئذ أن الله هو العادل الذي لا يظلم أحدا، الظاهر عدله في تشريعه وحكمه.