فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر
[الكهف: 29] ليترتب عليه الثواب والعقاب، ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام، شرع في ذكر سائر النعم العظام وآياته المنبثة في الكائنات فقال ﴿ هو الذي أنزل من السماء مآء ﴾ أي أنزل المطر بقدرته القاهرة من السحاب ﴿ لكم منه شراب ﴾ أي أنزله عذبا فراتا لتشربوه فتسكن حرارة العطش ﴿ ومنه شجر فيه تسيمون ﴾ أي وأخرج لكم منه شجرا ترعون فيه أنعامكم ﴿ ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ﴾ أي يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ أي ومن كل الفواكه والثمار يخرج لكم أطايب الطعام ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ﴾ أي إن في إنزال الماء وإخراج الثمار لدلالة واضحة على قدرة الله ووحدانيته لقوم يتدبرون في صنعه فيؤمنون قال أبو حيان: ختم الآية بقوله: ﴿ يتفكرون ﴾ لأن النظر في ذلك يحتاج إلى فضل تأمل، واستعمال فكر، ألا ترى أن الحبة الواحدة إذا وضعت في الأرض ومر عليها زمن معين لحقها من نداوة الأرض ما تنتفخ به فيشق أعلاها فتصعد منه شجرة إلى الهواء، وأسفلها يغوص منه في عمق الأرض شجرة أخرى وهي العروق، ثم ينمو الأعلى ويقوى وتخرج الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، المشتملة على أجسام مختلفة الطبائع والألوان والأشكال والمنافع وذلك بتقدير قادر مختار وهو الله تعالى ﴿ وسخر لكم اليل والنهار والشمس والقمر ﴾ أي ذلل الليل والنهار يتعاقبان لمنامكم ومعاشكم، والشمس والقمر يدوران لمصالحكم ومنافعكم ﴿ والنجوم مسخرات بأمره ﴾ أي والنجوم تجري في فلكها بأمره تعالى لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ أي إن في ذلك الخلق والتسخير لدلائل باهرة عظيمة، لأصحاب العقول السليمة ﴿ وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه ﴾ أي وما خلق لكم في الأرض من الأمور العجيبة، من الحيوانات والنباتات، والمعادن والجمادات، على اختلاف ألوانها وأشكالها، وخواصها ومنافعها ﴿ إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ﴾ أي لعبرة لقوم يتعظون ﴿ وهو الذي سخر البحر ﴾ أي وهو تعالى - بقدرته ورحمته - ذلل لكم البحر المتلاطم الأمواج للركوب فيه والغوص في أعماقه ﴿ لتأكلوا منه لحما طريا ﴾ أي لتأكلوا من البحر السمك الطري الذي تصطادونه ﴿ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ﴾ أي وتستخرجوا منه الجواهر النفيسة كاللؤلؤ والمرجان ﴿ وترى الفلك مواخر فيه ﴾ أي وترى السفن العظيمة تشق عباب البحر جارية فيه وهي تحمل الأمتعة والأقوات ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ أي سخر لكم البحر لتنتفعوا بما ذكر ولتطلبوا من فضل الله ورزقه سبل معايشكم بالتجارة ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ أي ولتشكروا ربكم على عظيم إنعامه وجليل إفضاله ﴿ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ﴾ أي نصب فيها جبالا ثوابت راسيات لئلا تضطرب بكم وتميل قال أبو السعود: إن الأرض كانت كرة خفيفة قبل أن تخلق فيها الجبال، وكان من حقها أن تتحرك كالأفلاك بأدنى سبب فلما خلقت الجبال توجهت بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد لها ﴿ وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون ﴾ أي وجعل فيها أنهارا وطرقا ومسالك لكي تهتدوا إلى مقاصدكم ﴿ وعلامات وبالنجم هم يهتدون ﴾ أي وعلامات يستدلون بها على الطرق كالجبال والأنهار، وبالنجوم يهتدون ليلا في البراري والبحار قال ابن عباس: العلامات معالم الطرق بالنهار وبالنجم هم يهتدون بالليل ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق ﴾ الاستفهام إنكاري أي أتسوون بين الخالق لتلك الأشياء العظيمة والنعم الجليلة، وبين من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن غيره؟ أتشركون هذا الصنم الحقير مع الخالق الجليل؟ وهو تبكيت للكفرة وإبطال لعبادتهم الأصنام ﴿ أفلا تذكرون ﴾ أي أفلا تتذكرون فتعرفون خطأ ما أنتم فيه من عبادة غير الله؟ وهو توبيخ آخر ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ ﴾ أي إن تعدوا نعم الله الفائضة عليكم لا تضبطوا عددها فضلا عن أن تطيقوا شكرها ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ أي غفور لما صدر منكم من تقصير رحيم بالعباد حيث ينعم عليهم مع تقصيرهم وعصيانهم ﴿ والله يعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ أي يعلم ما تخفونه وما تظهرونه من النوايا والأعمال وسيجازيكم عليها ﴿ والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ﴾ أي والذين يعبدونهم من دون الله كالأوثان والأصنام لا يقدرون على خلق كل شيء أصلا والحال أنهم مخلوقون صنعهم البشر بأيديهم، فكيف يكونون آلهة تعبد من دون الله؟ ﴿ أموات غير أحيآء ﴾ أي وتلك الأصنام أموات لا أرواح فيها، لا تسمع ولا تبصر لأنها جمادات لا حياة فيها، فكيف تعبدونها وأنتم أفضل منها لما فيكم من الحياة؟ ﴿ وما يشعرون أيان يبعثون ﴾ أي ما تشعر هذه الأصنام متى يبعث عابدوها، وفيه تهكم بالمشركين لأنهم عبدوا جمادا لا يحس ولا يشعر ﴿ إلهكم إله واحد ﴾ أي إلهكم المستحق للعبادة إله واحد لا شريك له ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ﴾ أي فالذين لا يصدقون بالبعث والجزاء قلوبهم تنكر وحدانية الله عز وجل ﴿ وهم مستكبرون ﴾ أي متكبرون متعظمون عن قبول الحق بعدما سطعت دلائله ﴿ لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ﴾ أي حقا إن الله تعالى لا تخفى عليه خافية من أحوالهم يعلم ما يخفون وما يظهرون ﴿ إنه لا يحب المستكبرين ﴾ أي المتكبرين عن التوحيد والإيمان ﴿ وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم ﴾ أي وإذا سئل هؤلاء الجاحدون أي شيء أنزل ربكم على رسوله صلى الله عليه وسلم؟ ﴿ قالوا أساطير الأولين ﴾ أي قالوا على سبيل الاستهزاء: ما أنزله ليس إلا خرافات وأباطيل الأمم السابقين ليس بكلام رب العالمين قال المفسرون: كان المشركون يجلسون على مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سألهم وفود الحاج ماذا أنزل على محمد؟ قالوا أباطيل وأحاديث الأولين ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ﴾ أي قالوا ذلك البهتان ليحملوا ذنوبهم كاملة من غير أن يكفر منها شيء ﴿ ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ﴾ أي وليحملوا ذنوب الأتباع الذين أضلوهم بغير دليل أو برهان، فقد كانوا رؤساء يقتدى بهم في الضلالة ولذلك حملوا أوزارهم وأوزار من أضلوهم ﴿ ألا سآء ما يزرون ﴾ ألا للتنبيه أي فانتبهوا أيها القوم بئس الحمل الذي حملوه على ظهورهم، والمقصود المبالغة في الزجر ﴿ قد مكر الذين من قبلهم ﴾ أي مكر المجرمون بأنبيائهم وأرادوا إطفاء نور الله من قبل كفار مكة، وهذا تسلية له صلى الله عليه وسلم ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد ﴾ أي قلع بنيانهم من قواعده وأسسه، وهذا تمثيل لإفساد ما أبرموه من المكر بالرسل ﴿ فخر عليهم السقف من فوقهم ﴾ أي فسقط عليهم سقف بنيانهم فتهدم البناء وماتوا ﴿ وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ﴾ أي جاءهم الهلاك والدمار من حيث لا يخطر على بالهم، والآية مشهد كامل للدمار والهلاك، وللسخرية من مكر الماكرين، وتدبير المدبرين، الذين يقفون لدعوة الله ويحسبون مكرهم لا يرد، وتدبيرهم لا يخيب، والله من ورائهم محيط ﴿ ثم يوم القيامة يخزيهم ﴾ أي يفضحهم بالعذاب ويذلهم ويهينهم ﴿ ويقول أين شركآئي ¤لذين كنتم تشاقون فيهم ﴾ أي يقول تعالى لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: أين هؤلاء الشركاء الذين كنتم تخاصمون وتعادون من أجلهم الأنبياء؟ أحضروهم ليشفعوا لكم، والأسلوب استهزاء وتهكم ﴿ قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ أي يقول الدعاة والعلماء شماتة بأولئك الأشقياء إن الذل والهوان والعذاب محيط اليوم بمن كفر بالله ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ أي تقبض الملائكة أرواحهم الخبيثة حال كونهم ظالمي أنفسهم بالكفر والإشراك بالله ﴿ فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ﴾ أي استسلموا وانقادوا عند الموت على خلاف عادتهم في الدنيا من العناد والمكابرة، وقالوا ما أشركنا ولا عصينا كما يقولون يوم المعاد