تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15.45-99

المناسبة: لما ذكر تعالى حال الأشقياء من أهل الجحيم، أعقبهم بذكر حال السعداء من أهل النعيم، ثم ذكر قصص بعض الرسل مع أقوامهم " لوط، وشعيب، وصالح " تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليتأسى بهم في الصبر، ثم ذكر الأدلة والبراهين على وحدانية رب العالمين، وختم السورة ببشارته عليه السلام بإهلاك أعدائه المستهزئين.

اللغة: ﴿ نصب ﴾ تعب وإعياء ﴿ وجلون ﴾ خائفون فزعون ﴿ الغابرين ﴾ الباقين في العذاب ﴿ القانطين ﴾ القنوط: كمال اليأس ﴿ تفضحون ﴾ الفضيحة: أن يظهر من أمره ما يلزمه به العار، يقال: فضحه الصبح إذا أظهره للناس قال الشاعر:

ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا

مثل القلامة قد قصت من الظفر

﴿ لعمرك ﴾ قسم بحياة محمد صلى الله عليه وسلم أي وحياتك ﴿ سكرتهم ﴾ السكرة: الغواية والضلالة ﴿ يعمهون ﴾ يترددون تحيرا أو يعمون عن الرشد. والعمه للقلب مثل العمى للبصر ﴿ للمتوسمين ﴾ التوسم من الوسم وهي العلامة التي يستدل بها على المطلوب يقال: توسم فيه الخير إذا رأى فيه أثرا منه قال ابن رواحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إني توسمت فيك الخير أعرفه

والله يعلم أني ثابت البصر

وأصله التثبت والتفكر مثل التفرس وفي الحديث

" اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله "

﴿ الأيكة ﴾ الشجرة الملتفة وجمعها أيك ﴿ الحجر ﴾ اسم واد كانت تسكنه ثمود ﴿ عضين ﴾ أجزاء متفرقة من التعضية وهي التجزئة والتفريق ﴿ اليقين ﴾ الموت لأنه أمر متيقن.

سبب النزول: روي

" أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على الصحابة وهم يضحكون فقال: أتضحكون وبين أيديكم الجنة والنار؟ فشق ذلك عليهم فنزلت ﴿ نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم ﴾ ".

التفسير: ﴿ إن المتقين في جنات وعيون ﴾ أي إن الذين اتقوا الفواحش والشرك لهم في الآخرة البساتين الناضرة، والعيون المتفجرة بالماء والسلسبيل والخمر والعسل ﴿ ادخلوها بسلام آمنين ﴾ أي يقال لهم: أدخلوا الجنة سالمين من كل الآفات، آمنين من الموت ومن زوال هذا النعيم ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ أي أزلنا ما في قلوب أهل الجنة من الحقد والبغضاء والشحناء ﴿ إخوانا على سرر متقابلين ﴾ أي حال كونهم إخوة متحابين لا يكدر صفوهم شيء، على سرر متقابلين وجها لوجه قال مجاهد: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض زيادة في الانس والإكرام، وقال ابن عباس: على سرر من ذهب مكللة بالدر والياقوت والزبرجد ﴿ لا يمسهم فيها نصب ﴾ أي لا يصيبهم في الجنة إعياء وتعب ﴿ وما هم منها بمخرجين ﴾ أي لا يخرجون منها ولا يطردون، نعيمهم خالد، وبقاؤهم دائم، لأنها دار الصفاء والسرور ﴿ نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم ﴾ أي أخبر يا محمد عبادي المؤمنين بأني واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب ﴿ وأن عذابي هو العذاب الأليم ﴾ أي وأخبرهم أن عذابي شديد لمن أصر على المعاصي والذنوب قال أبو حيان: وجاء قوله ﴿ وأن عذابي ﴾ في غاية اللطف إذ لم يقل على وجه المقابلة (وأني المعذب المؤلم) وكل ذلك ترجيح لجهة العفو والرحمة ﴿ ونبئهم عن ضيف إبراهيم ﴾ أي وأخبرهم عن قصة ضيوف إبراهيم، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، وكانوا عشرة على صورة غلمان حسان معهم جبريل ﴿ إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما ﴾ أي حين دخلوا على إبراهيم فسلموا عليه ﴿ قال إنا منكم وجلون ﴾ أي قال إبراهيم إنا خائفون منكم، وذلك حين عرض عليهم الأكل فلم يأكلوا ﴿ قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم ﴾ أي قالت الملائكة لا تخف فإنا نبشرك بغلام واسع العلم، عظيم الذكاء، هو إسحاق ﴿ قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون ﴾ أي قال إبراهيم أبشرتموني بالولد على حالة الكبر والهرم، فبأي شيء تبشروني؟ قال ذلك على وجه التعجب والاستبعاد ﴿ قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين ﴾ أي بشرناك باليقين الثابت فلا تستبعده ولا تيأس من رحمة الله ﴿ قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون ﴾ استفهام إنكاري أي لا يقنط من رحمة الله إلا المخطئون طريق المعرفة والصواب، الجاهلون برب الأرباب، أما القلب العامر بالإيمان، المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط قال البيضاوي: وكان تعجب إبراهيم عليه السلام باعتماد العادة دون القدرة فإن الله تعالى قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين، فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر؟ ولذلك أجابهم بذلك الجواب ﴿ قال فما خطبكم أيها المرسلون ﴾ أي قال إبراهيم ما شأنكم وما أمركم الذي جئتم من أجله أيها الملائكة الكرام؟ ﴿ قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين ﴾ أي أرسلنا ربنا إلى قوم مشركين ضالين لإهلاكهم يعنون قوم لوط ﴿ إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ﴾ أي إلا أتباع لوط وأهله المؤمنين، فسننجيهم من ذلك العذاب أجمعين ﴿ إلا امرأته قدرنآ إنها لمن الغابرين ﴾ أي إلا امرأة لوط فقد قدر الله بقاءها في العذاب مع الكفرة الهالكين قال القرطبي: استثنى من آل لوط امرأته وكانت كافرة فالتحقت بالمجرمين في الهلاك ﴿ فلما جآء آل لوط المرسلون ﴾ أي فلما أتى رسل الله لوطا عليه السلام ﴿ قال إنكم قوم منكرون ﴾ أي قال لهم إنكم قوم لا أعرفكم فماذا تريدون؟ ﴿ قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ﴾ أي قالوا له بل نحن رسل الله، جئناك بما كان فيه قومك يشكون فيه وهو نزول العذاب الذي وعدتهم به ﴿ وآتيناك بالحق وإنا لصادقون ﴾ أي أتيناك بالحق اليقين من عذابهم وإنا لصادقون فيما نقول ﴿ فأسر بأهلك بقطع من اليل ﴾ أي سر بأهلك في طائفة من الليل ﴿ واتبع أدبارهم ﴾ أي كن من ورائهم وسر خلفهم لتطمئن عليهم ﴿ ولا يلتفت منكم أحد ﴾ أي لا يلتفت أحد منكم وراءه لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم فيرتاع ﴿ وامضوا حيث تؤمرون ﴾ أي سيروا حيث يأمركم الله عز وجل قال ابن عباس: يعني الشام ﴿ وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع ﴾ أي أوحينا إلى لوط ذلك الأمر العظيم أن أولئك المجرمين سيستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد ﴿ مصبحين ﴾ أي إذا دخل الصباح تم هلاكهم واستئصالهم ﴿ وجآء أهل المدينة يستبشرون ﴾ أي جاء أهل مدينة سدوم - وهم قوم لوط - مسرعين يستبشرون بأضيافه، طمعا في ارتكاب الفاحشة بهم، ظنا منهم أنهم أناس أمثالهم قال المفسرون: أخبر أولئك السفهاء أن في بيت لوط شبانا مردا حسانا فأسرعوا فرحين يبشر بعضهم بعضا بأضياف لوط ﴿ قال إن هؤلآء ضيفي فلا تفضحون ﴾ أي هؤلاء ضيوفي فلا تقصدوهم بسوء فتلحقوا بي العار وتفضحوني أمامهم ﴿ واتقوا الله ولا تخزون ﴾ أي خافوا الله أن يحل بكم عقابه، ولا تهينوني بالتعرض لهم بالمكروه ﴿ قالوا أو لم ننهك عن العالمين ﴾ أي قالوا ألم نمنعك عن ضيافة أحد؟ قال الرازي: المعنى ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟ ﴿ قال هؤلآء بناتي إن كنتم فاعلين ﴾ أي هؤلاء النساء فتزوجوهن ولا تركنوا إلى الحرام إن كنتم تريدون قضاء الشهوة قال المفسرون: المراد بقوله ﴿ بناتي ﴾ بنات أمته لأن كل نبي يعتبر أبا لقومه ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ أي وحياتك يا محمد إن قوم لوط لفي ضلالهم وجهلهم يتخبطون ويترددون، وهذه جملة اعتراضية جاءت ضمن قصة لوط قسما بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم تكريما له وتشريفا قال ابن عباس: " ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره " ﴿ فأخذتهم الصيحة مشرقين ﴾ أي أخذتهم صيحة العذاب المهلكة المدمرة وقت شروق الشمس ﴿ فجعلنا عاليها سافلها ﴾ أي قلبناها بهم فجعلنا أعالي المنازل أسافلها قال المفسرون: حمل جبريل عليه السلام قريتهم واقتلعها من جذورها، حتى رأوا الأفلاك وسمعوا تسبيح الأملاك ثم قلبها بهم ﴿ وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ﴾ أي أنزلنا عليهم حجارة كالمطر من طين طبخ بنار جهنم ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ أي فيما حل بهم من الدمار والعذاب لدلالات وعلامات للمعتبرين، المتأملين بعين البصر والبصيرة ﴿ وإنها لبسبيل مقيم ﴾ أي وإن هذه القرى المهلكة، وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه، لبطريق ثابت لم يندرس، يراها المجتازون في أسفارهم أفلا يعتبرون؟ ﴿ إن في ذلك لآية للمؤمنين ﴾ أي لعبرة للمصدقين ﴿ وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين ﴾ أي وإنه الحال والشأن كان قوم شعيب - وهم أصحاب الأيكة أي الشجر الكثير المتلف - لظالمين بتكذيبهم شعيبا، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان ﴿ فانتقمنا منهم ﴾ أي أهلكناهم بالرجفة وعذاب يوم الظلة قال المفسرون: اشتد الحر عليهم سبعة أيام حتى قربوا من الهلاك، فبعث الله عليهم سحابة كالظلة، فالتجئوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل بها، فبعث الله عليهم منها نارا فأحرقتهم جميعا ﴿ وإنهما لبإمام مبين ﴾ أي وإن قرى قوم لوط وشعيب لطريق واضح أفلا تعتبرون بهم يا أهل مكة؟ ﴿ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ﴾ هذه هي القصة الرابعة وهي قصة صالح عليه السلام أي كذبت ثمود نبيهم صالحا - والحجر واد بين المدينة والشام وآثاره باقية يمر عليها المسافرون - قال البيضاوي: ومن كذب واحدا من الرسل فكأنما كذب الجميع ولذا قال ﴿ المرسلين ﴾ ﴿ وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين ﴾ أي وأريناهم معجزاتنا الدالة على قدرتنا مثل الناقة وما فيها من العجائب فكانوا لا يعتبرون بها ولا يتعظون قال ابن عباس: كان في الناقة آيات: خروجها من الصخرة، ودنو ولادتها عند خروجها، وعظم خلقها فلم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى كان يكفيهم جميعا فلم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها ﴿ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين ﴾ أي كانوا ينقبون الجبال فيبنون فيها بيوتا آمنين يحسبون أنها تحميهم من عذاب الله ﴿ فأخذتهم الصيحة مصبحين ﴾ أي أخذتهم صيحة الهلاك حين أصبحوا ﴿ فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ﴾ أي ما دفع عنهم عذاب الله ما كانوا يشيدونه من القلاع والحصون ﴿ وما خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ إلا بالحق ﴾ أي وما خلقنا الخلائق كلها سماءها وأرضها وما بينهما إلا خلقا ملتبسا بالحق، فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء المكذبين لئلا يعم الفساد ﴿ وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ﴾ أي وإن القيامة لآتية لا محالة فيجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فأعرض يا محمد عن هؤلاء السفهاء وعاملهم معاملة الحليم ﴿ إن ربك هو الخلاق العليم ﴾ أي الخالق لكل شيء، العليم بأحوال العباد ﴿ ولقد آتيناك سبعا من المثاني ﴾ أي ولقد أعطيناك يا محمد سبع آيات هي الفاتحة لأنها تثنى أي تكرر قراءتها في الصلاة وفي الحديث

صفوة التفاسير · الصفحة ٣٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٣٥٣