ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة..
[القصص: 5] الآية ﴿ بما صبروا ﴾ أي بسبب صبرهم على الأذى ﴿ ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ﴾ أي خربنا ودمرنا القصور والعمارات التي كان يشيدها فرعون وجماعته وما كانوا يعرشون من الجنات والمزارع، وإلى هنا تنتهي قصة فرعون وقومه ويبتدئ الحديث عن بني إسرائيل وما أغدق الله عليهم من النعم الجسام، وأراهم من الآيات العظام، تسلية لرسوله عليه الصلاة والسلام مما رآه منهم قال تعالى ﴿ وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر ﴾ أي عبرنا ببني إسرائيل البحر وهو بحر القلزم عند خليج السويس الآن ﴿ فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴾ أي مروا على قوم يلازمون على عبادة أصنام لهم ﴿ قالوا يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة ﴾ أي اجعل لنا صنما نعبده كما لهم أصنام يعبدونها قال ابن عطية: الظاهر أنهم استحسنوا ما رأوا فأرادوا ان يكون ذلك في شرع موسى وفي جملة ما يتقرب به إلى الله وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى اجعل لنا إلها نفرده بالعبادة ﴿ قال إنكم قوم تجهلون ﴾ أي إنكم قوم تجهلون عظمة الله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والنظير قال الزمخشري: تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى، والمعجزة الكبرى فوصفهم بالجهل المطلق وأكده، لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم ولا أشنع ﴿ إن هؤلاء متبر ما هم فيه ﴾ أي هالك مدمر ما هم فيه من الدين الباطل وهو عبادة الأصنام ﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ أي باطل عملهم مضمحل بالكلية لأنهم عبدوا ما لا يستحق العبادة ﴿ قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين ﴾ أي أأطلب لكم معبودا غير الله المستحق للعبادة والحال أن الله فضلكم على غيركم بالنعم الجليلة!! قال الطبري: فضلكم على عالمي دهركم وزمانكم ﴿ وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ﴾ أي واذكروا يا بني إسرائيل النعم التي سلفت مني إليكم حين أنجيتكم من قوم فرعون يذيقونكم أفظع أنواع العذاب وأسوأه ثم فسره بقوله ﴿ يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ﴾ أي يذبحون الذكور ويستبقون الإناث لامتهانهن في الخدمة ﴿ وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴾ أي وفي هذا العذاب اختبار وابتلاء من الله لكم عظيم فنجاكم منه أفلا تشكرونه؟ ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ أي وعدنا موسى لمناجاتنا بعد مضي ثلاثين ليلة وأكملناها بعشر ليال فتمت المناجاة بعد أربعين ليلة قال الزمخشري: روي أن موسى وعد بني إسرائيل وهو بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوما وهو شهر ذي القعدة فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه " تغير رائحته " فتسوك فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك! فأمره تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة ﴿ وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي ﴾ أي كن خليفتي فيهم إلى أن أرجع ﴿ وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ أي وأصلح أمرهم ولا تسلك طريق الذين يفسدون في الأرض بمعصيتهم لله ﴿ ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ﴾ أي ولما جاء موسى للوقت الذي وعدناه فيه وناجاه ربه وكلمه من غير واسطة ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ أي أرني ذاتك المقدسة أنظر إليها قال القرطبي: اشتاق إلى رؤية ربه لما أسمعه كلامه فسأل النظر إليه ﴿ قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ﴾ أي أجابه ربه لن تستطيع رؤيتي في الدنيا فإن هذه البنية البشرية لا طاقة لها بذلك ولكن سأتجلى لما هو أقوى منك وهو الجبل فإن ثبت الجبل مكانه ولم يتزلزل فسوف تراني أي تثبت لرؤيتي وإلا فلا طاقة لك ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ﴾ أي فلما ظهر من نور الله قدر نصف أنملة الخنصر اندك الجبل وتفتت وسقط موسى مغشيا عليه من هول ما رأى قال ابن عباس: ما تجلى منه سبحانه للجبل إلا قدر الخنصر فصار ترابا وخر موسى مغشيا عليه وفي الحديث: فساخ الجبل ﴿ فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ﴾ أي فلما صحا من غشيته قال تنزيها لك يا رب وتبرئة أن يراك أحد في الدنيا تبت إليك من سؤالي رؤيتك في الدنيا وأنا أول المؤمنين بعظمتك وجلالك ﴿ قال يموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ﴾ أي اخترتك على أهل زمانك بالرسالة الإلهية وبتكليمي إياك بدون واسطة ﴿ فخذ مآ آتيتك ﴾ أي خذ ما أعطيتك من شرف النبوة والحكمة ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ واشكر ربك على ما أعطاك من جلائل النعم قال أبو السعود: والآية مسوقة لتسليته عليه السلام من عدم الإجابة إلى سؤال الرؤية كأنه قيل: إن منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظام ما لم أعط أحدا من العالمين فاغتنمها وثابر على شكرها ﴿ وكتبنا له في الألواح من كل شيء ﴾ أي كتبنا له كل شيء كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام مبينة للحلال والحرام كل ذلك في ألواح التوراة ﴿ موعظة وتفصيلا لكل شيء ﴾ أي ليتعظوا بها ويزدجروا وتفصيلا لكل التكاليف الشرعية ﴿ فخذها بقوة ﴾ أي خذ التوراة بجد واجتهاد شأن أولي العزم ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ أي وأمر بني إسرائيل بالحث على اختيار الأفضل كالأخذ بالعزائم دون الرخص فالعفو أفضل من القصاص، والصبر أفضل من الانتصار كما قال تعالى