يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى
[طه: 66] ﴿ واسترهبوهم وجآءوا بسحر عظيم ﴾ أي أفزعوهم وأرهبوهم إرهابا شديدا حيث خيلوها حيات تسعى وجاءوا بسحر عظيم يهابه من رآه قال ابن اسحاق: صف خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحر حباله وعصيه وفرعون في مجلسه مع أشراف مملكته فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد ثم ألقى رجل منهم ما في يده من العصي والحبال فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا ﴿ وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ﴾ أي أوحينا إليه بأن ألق عصاك فألقاها فإذا هي تبتلع بسرعة ما يزورونه من الكذب قال ابن عباس ﴿ تلقف ما يأفكون ﴾ لا تمر بشيء من حبالهم وخشبهم التي ألقوها إلا التقمته ﴿ فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ﴾ أي ثبت وظهر الحق لمن شهده وحضره، وبطل إفك السحر وكذبه ومخايله ﴿ فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ﴾ أي غلب فرعون وقومه في ذلك المجمع العظيم وصاروا ذليلين ﴿ وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ﴾ أي خروا ساجدين معلنين إيمانهم برب العالمين لأن الحق بهرهم قال قتادة: كانوا أول النهار كفارا سحرة وفي آخره شهداء بررة ﴿ قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم ﴾ أي قال فرعون الجبار للسحرة آمنتم بموسى قبل أن تستأذنوني؟ والمقصود بالجملة التوبيخ ﴿ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منهآ أهلها ﴾ أي صنيعكم هذا حيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد لتخرجوا منها القبط وتسكنوا بني اسرائيل، قال هذا تمويها على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان ﴿ فسوف تعلمون ﴾ أي فسوف تعلمون ما يحل بكم، وهذا وعيد وتهديد ساقه بطريق الإجمال للتهويل ثم عقبه بالتفصيل فقال ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ أي لأقطعن من كل واحد منكم يده ورجله من خلاف قال الطبري: ومعنى ﴿ من خلاف ﴾ هو أن يقطع من أحدهم يده اليمنى ورجله اليسرى، أو يقطع يده اليسرى ورجله اليمنى فيخالف بين العضوين في القطع ﴿ ثم لأصلبنكم أجمعين ﴾ أي ثم أصلبكم جميعا تنكيلا لكم ولأمثالكم، والصلب التعليق على الخشب حتى الموت ﴿ قالوا إنآ إلى ربنا منقلبون ﴾ إنا راجعون إلى الله بالموت لا محالة فلا نخاف مما تتوعدنا به ولا نبالي بالموت وحبذا الموت في سبيل الله ﴿ وما تنقم منآ إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جآءتنا ﴾ أي ما تكره منا ولا تعيب علينا إلا إيماننا بالله وآياته!! كقوله
وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد
[البروج: 8] قال الزمخشري: أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر كلها وهو الإيمان ﴿ ربنآ أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ﴾ أي أفض علينا صبرا يغمرنا عند تعذيب فرعون إيانا وتوفنا على ملة الإسلام غير مفتونين ﴿ وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ﴾ أي قال الأشراف لفرعون: أتترك موسى وجماعته ليفسدوا في الأرض بالخروج عن دينك وترك عبادة آلهتك!! وفي هذا إغراء لفرعون بموسى وقومه وتحريض له على قتلهم وتعذيبهم ﴿ قال سنقتل أبنآءهم ونستحيي نسآءهم وإنا فوقهم قاهرون ﴾ أي قال فرعون مجيبا لهم: سنقتل أبناءهم الذكور ونستبقي نساءهم للاستخدام كما كنا نفعل بهم ذلك وإنا عالون فوقهم بالقهر والسلطان ﴿ قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ﴾ أي قال موسى لقومه تسلية لهم حين تضجروا مما سمعوا: استعينوا بالله على فرعون وقومه فيما ينالكم من أذاهم واصبروا على حكم الله ﴿ إن الأرض لله يورثها من يشآء من عباده ﴾ أي الأرض كلها لله يعطيها من أراد من عباده، أطمعهم في أن يورثهم الله أرض مصر ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ أي النتيجة المحمودة لمن اتقى الله ﴿ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ﴾ أي أوذينا من قبل أن تأتينا بالرسالة ومن بعدما جئتنا بها يعنون أن المحنة لم تفارقهم فهم في العذاب والبلاء قبل بعثة موسى وبعد بعثته ﴿ قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ﴾ أي لعل ربكم أن يهلك فرعون وقومه ويجعلكم تخلفونهم في أرضهم بعد هلاكهم وينظر كيف تعملون بعد استخلافكم من الإصلاح والإفساد، والغرض تحريضهم على طاعة الله، وقد حقق الله رجاء موسى فأغرق فرعون وملك بن إسرائيل أرض مصر قال في البحر: سلك موسى طريق الأدب مع الله وساق الكلام مساق الرجاء.