﴿ إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ﴾ أي إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن متلبسا بالحق لتحكم بين الناس بما عرفك الله وأوحى به إليك ﴿ ولا تكن للخآئنين خصيما ﴾ أي لا تكن مدافعا ومخاصما عن الخائنين تجادل وتدافع عنهم، والمراد به " طعمة بن أبيرق " وجماعته ﴿ واستغفر الله ﴾ أي استغفر الله مما هممت به من الدفاع عن طعمة اطمئنانا لشهادة قومه بصلاحه ﴿ إن الله كان غفورا رحيما ﴾ أي مبالغا في المغفرة والرحمة لمن يستغفره ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ أي لا تخاصم وتدافع عن الذين يخونون أنفسهم بالمعاصي ﴿ إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما ﴾ أي لا يحب من كان مفرطا في الخيانة منهمكا في المعاصي والآثام ﴿ يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ﴾ أي يستترون من الناس خوفا وحياء ولا يستحيون من الله وهو أحق بأن يستحيا منه ويخاف من عقابه ﴿ وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول ﴾ أي وهو معهم جل وعلا عالم بهم وبأحوالهم يسمع ما يدبرونه في الخفاء ويضمرونه في السر من رمي البريء وشهادة الزور والحلف الكاذب ﴿ وكان الله بما يعملون محيطا ﴾ أي لا يعزب عنه شيء منها ولا يفوت.. ثم قال تعالى توبيخا لقوم طعمة ﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ﴾ أي ها أنتم يا معشر القوم دافعتم عن السارق والخائنين في الدنيا ﴿ فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة ﴾ أي فمن يدافع عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه؟ ﴿ أم من يكون عليهم وكيلا ﴾؟؟ أي من يتولى الدفاع عنهم ونصرتهم من بأس الله وانتقامه؟ ثم دعاهم الله تعالى إلى الإنابة والتوبة فقال ﴿ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ﴾ أي من يعمل أمرا قبيحا يسوء به غيره كاتهام بريء أو يرتكب جريمة يظلم بها نفسه كالسرقة ﴿ ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ﴾ أي ثم يتوب من ذنبه يجد الله عظيم المغفرة واسع الرحمة قال ابن عباس: عرض الله التوبة بهذه الآية على بني أبيرق ﴿ ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ﴾ أي من يقترف إثما متعمدا فإنما يعود وبال ذلك على نفسه وكان الله عليما بذنبه حكيما في عقابه ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثما ﴾ أي من يفعل ذنبا صغيرا أو إثما كبيرا ﴿ ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ﴾ أي ثم ينسب ذلك إلى بريء ويتهمه به فقد تحمل جرما وذنبا واضحا، ثم بين تعالى فضله على رسوله فقال ﴿ ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طآئفة منهم أن يضلوك ﴾ أي لولا فضل الله عليك بالنبوة ورحمته بالعصمة لهمت جماعة منهم أن يضلوك عن الحق، وذلك حين سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبرئ صاحبهم " طعمة " من التهمة ويلحقها باليهودي فتفضل الله عز وجل على رسوله بأن أطلعه على الحقيقة ﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ أي وبال إضلالهم راجع عليهم ﴿ وما يضرونك من شيء ﴾ أي وما يضرونك يا محمد لأن الله عاصمك من ذلك ﴿ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ﴾ أي أنزل الله عليك القرآن والسنة فكيف يضلونك وهو تعالى ينزل عليك الكتاب ويوحي إليك بالأحكام ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ﴾ أي علمك ما لم تكن تعلمه من الشرائع والأمور الغيبية وكان فضله تعالى عليك كبيرا بالوحي والرسالة وسائر النعم الجسيمة.
البلاغة: تضمنت الآيات الكريمة من البلاغة والبيان والبديع أنواعا نوجزها فيما يلي:
1- الاستفهام الذي يراد به التوبيخ والتقريع في ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾؟ وفي ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة ﴾؟
2- إطلاق العام وإرادة الخاص ﴿ فإذا قضيتم الصلاة ﴾ أريد بها صلاة الخوف.
3- الجناس المغاير في ﴿ يعفو.. عفوا ﴾ وفي ﴿ يهاجر.. مهاجرا ﴾ وفي ﴿ يختانون.. خوانا ﴾ وفي ﴿ يستغفر.. غفورا ﴾.
4- إطلاق الجمع على الواحد في ﴿ توفاهم الملائكة ﴾ يراد به ملك الموت وذكر بصيغة الجمع تفخيما له وتعظيما لشأنه.