4.97-113
المناسبة: لما ذكر تعالى ثواب المجاهدين الأبرار، أتبعه بذكر عقاب القاعدين عن الجهاد الذين سكنوا في بلاد الكفر، ثم رغب تعالى في الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذكر ما يترتب عليها من السعة والأجر والثواب، ثم لما كان الجهاد والهجرة سببا لحدوث الخوف بين تعالى صلاة المسافر وطريقة صلاة الخوف، ثم أتبع ذلك بذكر أروع مثل في الانتصار للعدالة سجله التاريخ ألا وهو إنصاف رجل يهودي اتهم ظلما بالسرقة وإدانة الذين تآمروا عليه وهم أهل بيت من الأنصار في المدينة المنورة.
اللغة: ﴿ مراغما ﴾ مذهبا ومتحولا مشتق من الرغام وهو التراب قال ابن قتيبة: المراغم والمهاجر واحد وأصله أن الرجل كان إذا أسلم خرج عن قومه مراغما لهم أي مغاضبا فقيل للمذهب مراغما وسمي مصيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة ﴿ سعة ﴾ اتساعا في الرزق ﴿ تقصروا ﴾ القصر: النقص يقال قصر صلاته إذا صلى الرباعية ركعتين قال أبو عبيد: فيها ثلاث لغات قصرت الصلاة وقصرتها وأقصرتها ﴿ تغفلون ﴾ الغفلة: السهو الذي يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ ﴿ موقوتا ﴾ محدود الأوقات لا يجوز إخراجه عن وقته ﴿ تهنوا ﴾ تضعفوا ﴿ خصيما ﴾ الخصيم بمعنى المخاصم أي المنازع والمدافع ﴿ خوانا ﴾ مبالغا في الخيانة.
سبب النزول: أ - عن ابن عباس قال: كان قوم من المسلمين أقاموا بمكة - وكانوا يستخفون بالإسلام - فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم فأصيب بعضهم فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا على الخروج فنزلت ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم.. ﴾ الآية.
ب - كان ضمرة بن القيس من المستضعفين بمكة وكان مريضا فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال لأولاده احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدي الطريق، والله لا أبيت الليلة بمكة فحملوه على سرير ثم خرجوا به فمات في الطريق بالتنعيم فأنزل الله ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾.
ج - روي أن رجلا من الأنصار يقال له " طعمة بن أبيرق " من بني ظفر سرق درعا من جاره " قتادة ابن النعمان " في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه فخبأها عند " زيد بن السمين " اليهودي فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوها فقال: دفعها إلي طعمة وشهد له ناس من اليهود فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وشهدوا ببراءته وسرقة اليهودي فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل فنزلت الآية { إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله.
. } الآية وهرب طعمة إلى مكة وارتد ونقب حائطا بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله.
التفسير: ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ أي تتوفاهم الملائكة حال كونهم ظالمي أنفسهم بالإقامة مع الكفار في دار الشرك وترك الهجرة إلى دار الإيمان ﴿ قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ﴾ أي تقول لهم الملائكة في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ وهو سؤال توبيخ وتقريع قالوا معتذرين: كنا مستضعفين في أرض مكة عاجزين عن إقامة الدين فيها ﴿ قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾؟ أي قالت لهم الملائكة توبيخا: أليست أرض الله واسعة فتهاجروا من دار الكفر إلى دار تقدرون فيها على إقامة دين الله كما فعله من هاجر إلى المدينة وإلى الحبشة؟ قال تعالى بيانا لجزائهم ﴿ فأولئك مأواهم جهنم وسآءت مصيرا ﴾ أي مقرهم النار وساءت مقرا ومصيرا، ثم استثنى تعالى منهم الضعفة والعاجزين عن الهجرة فقال ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنسآء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ﴾ أي لكن من كان منهم مستضعفا كالرجال والنساء والأطفال الذين استضعفهم المشركون وعجزوا لإعسارهم وضعفهم عن الهجرة ولا يستطيعون الخلاص ولا يهتدون الطريق الموصل لدار الهجرة ﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ أي لعل الله أن يعفو عنهم لأنهم لم يتركوا الهجرة اختيارا ﴿ وكان الله عفوا غفورا ﴾ أي يعفو ويغفر لأهل الأعذار، وعسى في كلام الله تفيد التحقيق ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ﴾ هذا ترغيب في الهجرة أي من يفارق وطنه ويهرب فرارا بدينه من كيد الأعداء يجد مهاجرا ومتجولا في الأرض كبيرا يراغم به أنف عدوه ويجد سعة في الرزق فأرض الله واسعة ورزقه سابغ على العباد