تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذلك فإن ربنا جلَّ جلاله من حينٍ إلى آخر عن طريق المعجزات يعطِّل الأسباب ، أو يُلغي الاسباب ، السبب موجود ، ولا توجد نتيجة ، أو هناك نتيجة بلا سبب ، سيدنا عيسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام كانت ولادته معجزة ، من أمٍ بلا أب ، معنى ذلك أن السبب يرافق النتيجة ولا يخلقها ، مشكلة العالَم في كلمتين ؛ فريقٌ في الغرب ألَّه الأسباب فأشرك، وفريقٌ في الشرق لم يأخُذ بالأسباب فعصى ، الغربيِّون أخذوا بالأسباب وألَّهوها فعبدوها من دون الله ، ظنوا أنهم إذا كانوا أقوياء إذاً فالمستقبل لهم ولم يعبؤوا بالدين ، عصوا، وفجروا ، وظلموا ، وطغوا ، وبغوا لأن معهم قوَّة ، القوَّة سبب ، والسبب له نتيجة السيطرة ، فلماذا طاعة الله عزَّ وجل؟ وفي الشرق من توكَّل تواكلاً غير شرعي ، لم يأخذ بالأسباب ، فوقع في معصية عدم الأخذ بالأسباب ..

وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا(83)إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84)فَأَتْبَعَ سَبَبًا(85)

( سورة الكهف )

الموقف الكامل الذي ذكرته في الدرس الماضي ، والمسلمون اليوم في أمسِّ الحاجة إليه، أن يأخذوا بالأسباب وكأنَّها كل شيء ، وأن يتوكَّلوا على الله عزَّ وجل وكأنَّها ليست بشيء ، لئلا يقعوا في وادي الشرك حينما تؤلَّه الأسباب ، ولئلا يقعوا في وادي المعصية حينما لا يؤخذُ بالأسباب ، القضيَّة الكبرى في وجود سيدنا عيسى هي خلقه من دون أب ، ليعلمنا الله عزَّ وجل أن السبب ليس هو الخالق ، الخالق هو الله .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٥٠٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٥٠٠٩