ما معنى هذه الآية ؟ يبْدو أنَّ هذا من باب المعاني المُطْلقة، لكِنَّنا إذا أردْنا أن نُقَيِّد هذه السورة بِأسْباب نُزولها ، فقد ورد في بعض التفاسير أنَّ المُشْركين جاءوا للنبي عليه الصلاة والسلام وقالوا له : يا محمَّد ، هَلُمَّ فَلْنَعْبُد ما تعبد ، وتَعْبُد ما نعْبُد ! – مُشاركة وأنصاف حُلول – ونَشْتَرك نحن وأنت في أمْرنا كُلِّه ، فإنْ كان الذي جِئْتَ به خيراً مما في أيْدينا شارَكْناك فيه ، وأخَذْنا بِحَظِّنا منه ، وإنْ كان الذي بِأَيْدينا خيراً مما بِيَدِك كنت قد شَرِكْتنا في أمْرنا ، وأخَذْتَ بِحَظِّكَ منه، قال تعالى : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1)لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2)وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(3)وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ(4)وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(5)لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(6)
[ الكافرون : الآية 1-6 ]
إذا أردنا توْجيهَ هذه الآيات بِحَسَبِ نُزولِها ، فَهُناك لِقاءٌ تمَّ بين كبار المُشْركين وبين النبي عليه الصلاة والسلام على أن تكون بينهما هُدْنَة وتَعايُشٌ سِلْمي - كما يقولون - نَعْبُد ما تعْبد وتعبدُ ما نعبد !
تَوْجيهٌ آخر مما توحي به هذه السورة ، أنَّهُ لا يسْتطيعُ الواحدُ منا أنْ يصِلَ إلى الإيمان الحق إلا إذا تَمَيَّزَ عن الكُفار ، فما دام يعيشُ معهم ، ويحْضُر نَدَواتِهم ، ويذْهَبُ معهم إلى مُتَنَزَّهاتِهم ، ويُعامِلُهم ويُحِبُّهم ويُحِبُّونه ، ويأخُذ منهم ويُعْطونه ، ويُشارِكُهم بأمواله ، ويُزَوِّجُهم ويتَزَوَّجُ منهم ، عندئِذٍ لن يكون مؤمناً ، فلا بدَّ من التمايُز ، ولا بد للمؤمن أن يكون في حيِّزٍ مُسْتَقِلّ ، لأنَّ له عاداتُه وقِيَمُهُ وورَعُهُ وطُموحُهُ ، قال تعالى : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1)لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2)
[ الكافرون : الآية 1-2 ]