بعضهم قال : الماعون هو المعونة ، الذي يمنع المعروف بين الناس ، فهو إنما يمنع الناس أن يعين بعضهم بعضاً ، هذا مانع للماعون .
وبعضهم قال : ما لا يحل منعه ، كالماء والنار والملح .
رجل ركب جوادًا في الصحراء ، رأى رجلاً ينتعل الرمال المحرقة ، فأشفق عليه ، دعاه لركوب الجواد معه ، وهذا الذي دعاه لركوب الجواد لصٌّ من لصوص الصحراء ، وما إن امتطى ظهر الفرس حتى دفع صاحبها أرضاً ، وعدا لا يلوي على شيء ، فقال صاحب الفرس : يا هذا قد وهبت لك هذه الفرس ، ولن أسأل عنها بعد اليوم ، ولكن إياك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء ، فتذهب منها المروءة ، وبذهاب المروءة يذهب أجمل ما فيها .
شاهد رجلٌ شخصًا مقطوعًا ، فأركبه في السيارة ، فإذا معه حشيش ، صادروا السيارة ، فهل يُركب أحدٌ أحداً بعد هذه الحادثة ؟ أبداً .
المعنى الدقيق خلاف كل هذه المعاني ، إذا أسأت لصانع المعروف منعت المعروف ، أركبك في سيارته أتحمل معه بضاعة ممنوعة ؟ فالسيارة صادروها له ، وسجنوه .
شاهد رجلٌ جريحًا ، فأخذه إلى المشفى ، فأوقفوه خمسة أيام ، ليس لي علاقة ، لم يسعف أحداً بعدها في حياته .
فكل إنسان يسيء لصانع المعروف يمنع الماعون .
أعارك كتابًا ، والله ضاع مني ، هل يعير مرة أخرى ؟ يحلف يمينًا معظمًا أنه لن يعير كتابًا لأحد ما دام حيًّا .
كل إنسان يتلقى معروفًا ويرد بالإساءة ، أو يسيء لصاحب معروف صاحب هذا المعروف لن يفعل خيراً أبداً .
من الذي منع الماعون ؟ هذا الذي أساء .
المعنى الدقيق أنك إذا رددت على معروف بإساءة ، أو إذا أسأت لصاحب معروف فإنك منعت الخير بين الناس ، قال : إياك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء فتذهب منها المروءة ، وبذهاب المروءة ، يذهب أجمل ما فيها .
أجمل ما في الحياة التعاون ، فإذا فعل الإنسان خيرًا شكَّ الناسُ فيه ، ماذا تريد مني ؟ ما أريد منك شيئًا ، والله ، لأن الناس تعودوا ألاّ يفعلوا خيرًا .