تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مرة أراد إنسان أن يتوظف ، فطُلب منه شهادة صحية ، فحص شعاعي ، ذهب إلى مكان الفحص وفحص صدره ، بعد يومين ، أخذ النتيجة فإذا هي سلبية ، معه بوادر مرض السل ، فأعلم أهلَه ، وابتعدوا عنه ، و عزلوه ، الطعام وحده ، صحنه خاص به ، وكذلك المنشفة ... إلخ ، فهذا الإنسان انزوى ، وشعر بالدمار ، وشعر بمصيره الأسود ، فتألم ، وبكى يأس من الحياة ، وبعد ذلك أشرق في نفسه بصيص الأمل ، لعل الله يشفيني، فتاب إلى الله ، وصلى، وذهب أبوه إلى المشفى مرةً ثانية ، فإذا بموظفي المشفى كانوا قد أعطوه نتيجة رجل آخر ، وهو معافى أصلاً ، لكنهم أخطؤوا معه ، فخطؤهم معه عند الله صواب ، لأنه ردّه إليه بهذه الطريقة ، فالإنسان يخطئ ، والله لا يخطئ ، حتى إنّ خطأ الإنسان يُوظف لمصلحة إنسان آخر ، فليس عند الله خطأ ، فإذا أخطأت فإنّ الله لا يخطئ ، فحينما سمح الله لهذا الحدث أن يقع فهو خير ، أي حادث ، وما دام وقع فهو خير ، لكن ليس خيرًا مطلقًا ، بل هو خير نسبي ، فتح البطن وشقه ، وإزالة الصفراء ، هذا ليس خيرًا مطلقًا ، لكنه خير نسبي ، لمن يشعر بآلام الزائدة ، ولمن يصيح طوال الليل ، فخير له أن يُفتح بطنه ، وأن تُستأصل هذه الزائدة ، أو هذه الذائدة في التعبير الآخر ، فهذا خير نسبي ، أما المطلق فألاَّ يحتاج لهذه العملية .

فكل شيء وقع في الكون هو خير ، قال تعالى :

[سورة آل عمران آية 26]

العطاء خير ، والمنع خير ، والعز خير ، والذل خير ، وكله خير بخير ، والله سبحانه وتعالى لا يقضي لعباده إلا خيرًا .

*وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرَاً أَبَاْبِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ *

هذه السورة القصيرة ، بل هذه القصة الموجزة ، هذه يسمونها حكاية ، لأنه حدث واحد ، هذه الحكاية الربانية ، درس بليغ إلى نهاية المطاف ؛ فلا تخف من عدوك الكافر ، لأن الله أكبر منه " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٨١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٨١٧