حينما فكر النبي عليه الصلاة والسلام وهو في غار حراء بربه من خلال آيات الكون ، ومن خلال الشمس والقمر ، والليل والنهار ، والحيوان والنبات ، وخلق الإنسان ، حينما فكر بآيات ربه تولد في نفسه خشية عظيمة ، هذه الخشية حملته على طاعة الله عزوجل .
طاعة الله عزوجل ولّدت في نفسه ثقةً جعلته يقبل على الله عزوجل ، وهذا الإقبال العالي اشتق الكمال المتناهي ، لذلك أكمل البشر هو المصطفى عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى :
وإنك لعلى خلق عظيم
(سورة القلم : آية 4)
لكماله العالي الذي اشتقه من كمال الله عزوجل تألم على الخلق ، وقد رآهم في ضياع ، وفي بعد عن الله ، وفي جهالة عمياء ، وفي ضلال مبين ، رأى قويهم يأكل ضعيفهم ، ورآهم يقترفون الأثام ، ويأتون الفواحش ، يقطعون الرحم ، ويسيئون الجوار ، ويخونون الأمانة ، رآهم في هلاك ، وفي ضياع ، إنّ هذه الرؤية وهذا الكمال الذي انطوى عليه قلبه الشريف بسب إقباله على الله ، وبسبب استقامته بسبب خشيته ، بسبب تفكره بآيات الله جعله يفعم قلبه بالهم والحزن .
فالنبي عليه الصلاة والسلام بدأ يقلق ؛كيف السبيل إلى هداية البشر ؟ كيف السبيل إلى إنقاذهم مما هم فيه ؟ كيف السبيل إلى تعريفهم بربهم وهم غافلون ؟ كيف السبيل إلى إنقاذهم ؟ ما الطريق إلى هدايتهم ؟ ماذا أعمل ؟ ماذا أقول ؟ كيف أهديهم ؟
إلى أن نزل عليه الوحي ، حينها عرف أنه مكلف بهدايتهم ، وأن الله سبحانه وتعالى ناصره، وأن الله سبحانه وتعالى قد جعله هادياً لهذه الأمة ، وكما قلت لكم في درس سابق : امتلأ قلبه فرحاً حينما رأى أول الطريق ، لم يحدث شيء حينما اقترب أجله ، وتوعكت صحته ، ونظر إلى أصحابه نظرة وهم في الصلاة ، ابتسم حتى بَدَتْ نواجذه ، وقال : حكماء علماء ، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ، هذا نهاية الطريق .