تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تجد جامعة فيها أبنية فخمة شاهقة ، وحدائق غنَّاء ، ومدرّجات تتسع للأُلوف ، ومخابر فيها أدقّ الأجهزة ، وفيها إدارة حازمة ، وفيها سجلاّت وأرشيف دقيق ، ومكتبة غنيّة بالمجلدات والمؤلَّفات وأمّهات الكتب ، وملاعب ومساكن للطلاّب ، و هذه الجامعة ينقصها شيءٌ واحد هو الامتحان ، و لولا الامتحان لكان إنشاء الجامعة عبثاً ، أما الامتحان فهو الذي يقيِّم الطلاّب ، و هو الذي يكشف الذي بذل جهد ، والذي لم يبذل جهداً ، فالامتحان هو الذي يكشف مؤهَّلات الطلاّب ، و لذلك فالحياة الدنيا بلا آخرة لا معنى لها ، و لا تكمل ، و ليس الكمال في الجامعة أن ينجح جميع الطلاّب.. لا ، الكمال في الجامعة أن تأتي النتائج متوافقةٌ مع المقدِّمات ، فيجب أن لا ينجح الطالب الكسول ، والذي بذل جهداً يجب أن ينجح ، والنجاح درجات فهناك امتياز ، وجيّد جداً وجيّد وكذلك مقبول ، فالروعة في النظام الجامعي لا أن ينجح جميع الطلاّب .. لا ، الروعة أن تأتي نتائج الجامعة متوافقةً مع جهد الطلاّب ، فمادام هناك حساب دقيق ، ومادام هناك ميزان دقيق ، ومادام هناك تقييم دقيق فهذا شيءٌ جميل .

و الأرض فيها قوي ، وفيها ضعيف ، فيها غني وفيها فقير ، فيها صحيح وفيها مريض، فيها إنسان أُتيح له كلُّ شيء وإنسان لم يُتح له شيء ، إذا كانت الحياة الدنيا هي كل شيء نقول : الخلق فيه نقص ، ما ذنب هذا الذي حُرِم من نعمةٍ معيَّنة ، ما ذنب هذا الذي حُرم نعمة الأولاد، لمَ حُرم هذا وأُعطي هذا ؟ لمَ كان هذا قوياً وهذا ضعيفاً ، لمَ كان هذا غنياً وكان هذا فقيراً ؟

الحياة من دون آخرة لا يستقيم معناها ، ولا تكمُل ، يأتي يوم الدين يحاسب الغني على ماله ، من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، يحاسب الفقير أصبرت لوجه الله ؟ هل دعاك فقرك إلى كسب مالٍ حرام أم تعفّفت؟ يحاسب القوي ماذا صنعت من أجل هؤلاء الضعاف الذين كانوا تحت رعايتك ؟ ، يحاسب الضعيف هل أعنت الناس على حاجاتهم ؟

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٤٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٤٥٩