والآن نحن في الدنيا أيها الإخوة ، لك أن تفعل ما تشاء ؛ فأنت مخيَّر ، لك أن تصدق ، ولك أن تكذب ، لك أن تستقيم ، ولك أن تنحرف ، لك أن تُخْلِص ، ولك أن تخون ، لك أن ترعى، ولك أن تُضَيِّع ، لك أن تفعل ما تشاء ، ولكن اعتقد اعتقاداً جازماً أن كل شيءٍ تفعله مُسَطَّرٌ في صحيفتك ، وسوف تنشر هذه الصحيفة ، وسوف تحاسب عن كل كلمةٍ ، وعن كل حركةٍ وسكنةٍ قمت بها في الحياة الدنيا .
هؤلاء الذين دفنوا في باطن الأرض ، حينما رجفت الأرض ، وأخرجتهم للحساب توهَّموا، وكانت قلوبهم مضطربة من شدة الخوف ، وأبصارهم خاشعةً من شدَّة الخَجَل ، توهموا أنهم مردودون إلى الأرض ، إلى الحياة الدنيا مرةً ثانية ، فلمّا علموا أنهم ذاهبون إلى الحساب ، إلى الجزاء ، حينما يكتشف الإنسان أنه ذاهبٌ ليُحاسب ، ذاهبٌ ليحاسب حساباً دقيقاً عسيراً ، ما شعوره ؟ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)
( سورة الغاشية )
إلى أين الذهاب ؟ إلى الدنيا مرةً ثانية ؟! لا ، إلى يوم الدين ، إلى الدار الآخرة ، إلى الحساب .
أحدهم اضطر إلى أن يقترض مبلغ ثلاثمئة ألف ليرة ، بحث في جهاتٍ عديدة ، فلم تُنْجِدْهُ، عرض مزرعةً اشتراها وهي غالية الثمن ، عرض أن يجعلها باسم من يقرضه هذا المبلغ ، على أن يردَّها إليه بعد تسديد المبلغ ، وقَبِلها أحدُهم فأعطاه المبلغ (ثلاثمائة ألف) ، وسجّل المَدين هذه المزرعة باسم الدائن ، وبعد سنواتٍ عدة تمكن المدين من تأمين المبلغ ، فذهب إليه ونقده الثمن ، وقال : يرجى أن ترجع لي مزرعتي ، قال له : كل واحد حقه واصل له.