مع الدرس الثالث من سورة الدخان ، ومع الآية السابعة والثلاثين وهي قوله تعالى : أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين(37) : معنى أهم خير أم قوم تبع أي أن قوم تبع كانوا أقوى منكم وكانوا أشد منكم وملكوا أطراف ألأرض ومع ذلك أهلكهم الله عز وجل فمن أنتم ؟ هذا كلام دقيق ، لو أردنا أن نسحبه على حياتنا المعاصرة ، فإن كنت قويا فقد أهلك الله من هو أقوى منك ، وإن كنت غنيا فلقد دمر الله مال من هو أغنى منك ، وإن كنت ذكيا فقد وقع الذكي في شر عمله ، فالإنسان إذا توهم أنه على شيء فقد أشرك ، لأن هذا الشيء لو أراد الله أن يمحقه محقه في طرفة عين ، وليس لك أي حول ولا أي طول ، وهذا المعنى هو معنى العبودية لله عز وجل ، إذا كنت على شيء فمن فضل الله ، وإذا كنت على جانب من القوة فمن كرم الله ، إن كنت على جانب من اليسر فمن إكرام الله لك . كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ، الإنسان قبل أن يعرف الله متى يطغى ؟ أن رآه استغنى ، أن رأى نفسه قد استغنى ، فالقوة في المال والقوة في العلم والقوة في السلطان ، وهذه من شأنها ، من دون إيمان أن تحمل صاحبها على العدوان ، ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف . معنى القوي ، أي أن القوة من دون إيمان خطرة لأنها تهلك صاحبها ، كيف تهلكه ، توقعه في الغرور ، والقوة تحجب عن الحقائق ، والمال يحجب وكذلك التفوق العلمي في العلوم المادية تحجب ، فهناك ثلاث قوى : قوة العلم وقوة المال وقوة السلطان ، هذه من دون إيمان من شأنها أن تحمل صاحبها على الطغيان ، ولذلك فالإنسان أحيانا بجهد جاهد قد يصل إلى قمة النجاح ولكن بغفلة يسيرة يقع في الشرك ، فيعتد في نفسه ويقول إنما أوتيته على علم عندي ، فبلحظة واحدة وبغفلة يسيرة يصبح في الحضيض ، فما الذي أهلكه ؟ شركه ، وإذا قال أنا فقد هوى ، إذا قال نحن - نحن أولو قوة وأولو بأس
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٣٦٧٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ٣٦٧٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي