وسلامة التدليل مما يجعل الكتاب مقبولا لدى الشبان المنورين والميالين لحرية الفكر.
ويقول الأستاذ: إن الكتاب يشمل دعوة شعوب المدنية إلى الإسلام ولم يقل لنا
أية مدنية يريد ففهمنا أنه يقصد إلى أوربا وأمريكا وليسمح لي أن أقول: إنه جاء
متأخرا جدا وكان يجب عليه أن يؤلف هذا الكتاب من عشرات السنين، وأن ينقله
إلى لغات أوربا، وأن يطبعه بالملايين ويوزعه مجانا، لأنه لا ينتظر أن أهل لندن
ونيويورك وبرلين يشترون الكتاب من مطبعة المنار. ونحن نعلم أن هذا العمل
يتطلب مالا كثيرا ووقتا أكثر فينبغي للسيد رشيد أن يدعو إلى هذا، لا أن يكتفي
بالتأليف العربي وحده، يدعو إلى نقل الكتاب إلى اللغات وترجمته وإلا فإن مجرد
الكتابة على الغلاف أنه دعوة شعوب المدنية إلى الإسلام لا تكفي) .
(المنار) كان كل ما انتقده الكاتب بقوله: ويقول الأستاذ إلخ ما نشرناه وما
لم ننشره مثارا للعجب من مثله سببه أنه انتقد ما لو قرأه لم ينتقده، وقد بينت خطأه
فيه في مقالتين نشرتا في البلاغ فلم ينكر منهما شيئا وهو من محرريه.
* * *
تقريظ الأستاذ الفاضل الشيخ محمود أبو ريه
من العلماء في المنصورة
(نشره في المقطم)
كنت أحسب يوم أن قرأت في الصحف نبأ كتاب (الوحي المحمدي) أنه
رسالة صغيرة وضعها الأستاذ الكبير السيد محمد رشيد رضا ليمحص فيها أمر
الوحي، وحقيقته بعدما كثرت فيه أقوال بعض علماء الوحي وأنكروا إمكانه بما
يعرف المسلمون كما يفعل في مسائل كثيرة مما يثور حولها الجدل فيضع فيها
رسائل خاصة تطلع من قلمه منيرة كفلق الصبح فتكون الحكمة وفصل الخطاب.
كنت أحسب الأمر كذلك حتى أتيح لي الاطلاع على هذا الكتاب فإذا بي أجد
الأمر أكبر مما حسبت وأعظم مما توهمت وإذا أنا بإزاء كتاب متعدد النواحي متسع
الأرجاء لا يقف عند الكلام على الوحي، وإنما يمتد فيحيط بكل ما أوحي به إلى
النبي صلى الله عليه وسلم.
ونحن لا نحاول هنا أن نظهر للقارئ الكريم ما بين دفتي هذا الكتاب من
بحوث؛ لأن ذلك يحتاج إلى مقالات طويلة، وإنما نشير إلى بعضها وحسبنا ذلك.
تكلم الأستاذ الكبير عن الوحي وفند بأدلة قوية مسددة ما يزعمه الذين يقولون: إن
الوحي المحمدي إنما كان وحيا نفسيا ولم يكن وحيا إلهيا.
وعقد فصلا رائعا عن آية الله الكبرى (القرآن الكريم) وعن أسلوبه وإعجازه
جاء ولا ريب آية في البلاغة والتحقيق العلمي وقد كشف فيه عن معنى دقيق في
حكمة التكرار في الكتاب العزيز فأبان أنه لم يأت عبثا وإنما هو أسلوب عجيب من
أساليب القرآن العجيبة المعجزة في تربية الشعوب بحيث لو خلا كتاب الله منه لما
بلغ في نفوس العرب ما بلغ من غرس تعاليمه القويمة وحكمه العالية وأغراضه النبيلة
في نفوسهم واجتثاث ما في هذه النفوس من عقائد باطلة وعادات فاسدة.
وقفى على ذلك ببحث قيم عن الثورة والانقلاب الذي أحدثه القرآن الكريم في
العالم وكيف فعل في نفوس العرب مشركين ومؤمنين.
وأنشأ بعد ذلك يتحدث عن مقاصد القرآن الكريم فجعلها عشرة مقاصد وجعل
تحت كل مقصد مسائل كثيرة، وقد شاء له حبه للتحميص أن يمسك بطرفي التحقيق
في كلامه عن هذه المقاصد فلم يقف عند إثباتها بالأدلة النقلية بل ظاهرها بالبراهين
العقلية.
وختم هذه المقاصد بخلاصة وافية في مسألة الوحي وجعل خاتمة الكتاب في
دعوة شعوب المدنية إلى الإسلام لإنقاذ البشر وإصلاح فسادهم.
هذا بعض ما جاء في كتاب (الوحي المحمدي) ولا غرو فإن مؤلفه هو
الأستاذ الكبير السيد محمد رشيد رضا الذي قال فيه بحق زعيم الإسلام الكبير
ومجدده العظيم شيخ البيان الأمير شكيب أرسلان في معلمته الإسلامية الكبرى
(حاضر العالم الإسلامي) .
(قد انتهت إليه الرياسة في الجمع بين المعقول والمنقول والفتيا الصحيحة
والتطبيق بين الشرع والأوضاع المحدثة مع الرسوخ العظيم في اللغة ... إلى أن