عالمهم الغيبي، حتى يروكم تصرف هؤلاء الأقطاب الذين تعرفون من عالمهم
المادي ما لا يعرفون، وتتصرفون في عناصره ومركباته وقواه بما هو أعظم مما
يدعون، ولكن في ضوء سنن الله في الكون وعلى صراط حكمته في نظامه، وبما
يظهر لهم ولغيرهم عجائب صنعه وسعة رحمته بعباده، ومن حيث لا يظهر لما
يدعون حكمة ولا فائدة، فشعوب المدعين لهذا التصرف من صوفية البوذيين
والبراهمة والمسلمين أضعف من جميع شعوبكم، وقد أصبحوا كلهم عبيدا لدولكم
المنتفعة بتصرفكم، فهل تتبعون عبيدكم في دينهم لتصيروا مثلهم؟
قلنا مرارا في المنار وفي تفسيره: إن الصور التي يتشكل فيها الملك أو
الجني قد تكون من الأثير الذي ينفذ من الأجسام الكثيفة، وإن مثل الملائكة فيما
صرفها الله تعالى فيه كمثل هذه الكهرباء في قوتها وسرعتها وتأثيرها في مادة العالم
وهذا المثل يقرب من عقولنا تصرف الملك في تحليل مادة الكون وتركيبها كما
فصلناه في محله، ويقرب من عقولنا إمكان قبضه لما لا يحصى من الأرواح في
وقت واحد، فهو كما يطفئ الرجل ألوفا من المصابيح الكهربائية وينيرها في
لحظة واحدة وهو في مكانه بعيدا عنها، وقد غمز أحدهم زرا في أوربة فتحركت به
ألوف من الآلات في أوسترالية، فليفعل لنا هؤلاء الأولياء مثل هذا في تصرفهم
الروحاني في الكون لعلهم يؤمنون بالله فيتبعوننا أو ينتقم الله لنا منهم بتصرف غيبي،
أقوى من تصرفهم المادي، قبل أن يفتنوا جميع حكامنا وكبرائنا بعلومهم عن ديننا
فلا يبقى من المنتمين له أحد إلا هؤلاء العوام الجاهلون، الذي يصدقونهم فيما
يزعمون.
هذا وإننا قرأنا في صحفنا من أخبار الهند في هذه الأيام عن لاما التبت
(كاهنها البوذي الأكبر) الذي مات من عهد قريب وغيره عجائب وخوارق منها
الحياة بعد الموت والمشي في الهواء، والماديون كالروحيين من الإفرنج يثبتون هذه
الأخبار لصوفية الهند وكهنتهم؛ لأنهم رأوا بأعينهم ولم يروا من صوفية المسلمين
شيئا مثلها أو يقرب منها، فإلى متى يحسب الجاهلون الغافلون من قراء هذا الكتاب
للسيوطي وما هو شر منه للشعراني وغيره أن ما فيها من هذه الحكايات من حجج
الإسلام ودلائل حقيقته، وإذا لم تكن كذلك فماذا كان من نفعها وفائدة تدوينها إلا
الفتنة في الدين وعبادة غير الله تعالى.
(51) أي كتب السيوطي خير:
كان الجلال السيوطي رحمه الله تعالى واسع الاطلاع على كتب السنة والآثار
وعلماء القرون التي قبله والتي ألفت في عصره، كثير العناية بالنقل والجمع من
قديمها وحديثها، وسمينها وغثها بدون تحقيق كما هو الغالب فيمن تتوجه قواه إلى
شيء واحد هو مستعد له بمقتضى المزاج والوراثة وتركيب الدماغ، وكان شغوفا
بتقوية ما ضعفه العلماء من قبل حتى المحدثين منهم مما يوافق بيئة عصره، وما
يعبر عنه في عرف زماننا بالرأي العام، ومنه المبالغة في الإطراء والمناقب،
والخوارق والعجائب وأحسن كتبه ما ينقله عن المتقدمين، وأضرها ما يجمع به
الأمشاج عن المتأخرين والمعاصرين، وخير كتبه لا يستغني عن تنقيح أو (خدمة)
كما يقول الأزهريون في الكتب غير المشروحة ولا المحشية، فمنها الدر المنثور
حشاه بالروايات الإسرائيلية والأحاديث المنكرة وكذا الموضوعة، وهو لا يستغنى
عنه، لو وجد محدث يخرج رواياته ويبين ما يصح منها وما لم يصح، ومن كتبه
النافعة الإتقان والجامعان الكبير والصغير ويحتاجان إلى تحقيق ما يصح من
أحاديثهما وما لا يصح أيضا، ومنها في اللغة المزهر والأشباه والنظائر النحوية،
وقد بالغ الحافظ السخاوي في نقده والطعن فيه فيحتاج كلامه فيه إلى وزن وحكم
عادل.
وجملة القول فيه أنه خدم العلم خدمة كبيرة بقدر طاقته، فجزاه خيرا على
ما أحسن فيه وأصاب، وعفا عنه وغفر له ما أخطأ فيه بحسن نية، وجعلنا في
كتبه وغيرها ممن قال فيهم: {فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه