متحدة فلم يعد فيها خلاف بين الشيوخ والشبان، والذي يدل على مبلغ نجاح نادر
شاه في نشر الأمن في ربوع البلاد أن موته لم يحدث اضطرابا في البلاد خلافا لما
هو معروف من قبل، بل أجمع الكل على اختيار ولده وهو شاب في التاسعة عشرة [1]
من عمره خلفا له فبايعته كل القبائل ذات الخطر.
وتعود بي الذاكرة وأنا أكتب هذا إلى صلاة الجمعة التي أديتها مع الملك نادر
شاه يوم 27 أكتوبر الماضي في المسجد الجامع بكابل، وإن أنس لا أنسى نظرة
الإخلاص والإعجاب في عيون الجمهور وهم يشاهدون ملكهم يسير متمهلا في
صحن المسجد؛ لأنني بصفتي شرقيا عرفت هذه النظرة الخاشعة من الإخلاص
وشعرت ألا شيء يمكن أن يكون أصدق منها، ولا تزال ترن في أذني صيحات
الهتاف بحياة الملك التي ملأت الجو عقب صلاة الجمعة، فلما التفت الملك ليودعني
كانت الدموع تترقرق في عينيه. وكان هذا آخر العهد بيننا، فإنه مع الأسف قد
عجلت به طلقات ذلك الشاب المفتون الذي لم يلحقه منه أذى.
وكان الملك قبل وفاته مشغولا بأمرين يحصر فيهما اهتمامه وهما: (1)
كيف ينظم ديوان التعليم و (2) كيف ينمي الموارد المعدنية لمملكته - فيما يتعلق
بمسألة التعليم أعطى للأمة القصر العظيم الذي شيده الملك أمان الله خان في دار
الأمان ليكون جامعة حديثة، وقرر الملك نادر شاه أن يبدأ في جامعة كابل بافتتاح
الكليات التي تدرس المواضيع العلمية مثل الطب والهندسة والزراعة، وقد نظمت
فعلا كلية الطب، وكان رحمه الله لا يميل إلى تشجيع العلوم النظرية مثل الفلسفة؛
لأنه رأى ظروف البلاد تجعل من مثل هذه العلوم ترفا، كذلك كان في نيته أن
يستغل شلالات الماء المهمة في أفغانستان لتوليد الكهرباء التي تستخدم في المصالح
الصناعية.
وكان الملك ينوي في سبيل ترقية الموارد المعدنية في مملكته أن يأمر بعمل
مساحة جيولوجية للبلاد، ثم ينظم شركات تعمل تحت إشراف خبراء يستخدمهم
وكان كذلك يفكر في إنشاء طرق معبدة تم منها في حياته فعلا الطريق المؤدي إلى
الحدود الروسية، وحينما قتل الملك في كابول كان رئيس وزارته ووزير خارجيته
بعيدين عن العاصمة يتعهدان هذا الطريق قبل افتتاحه للمرور وينتظر أن يكون معدا
في السنة القادمة الطريق الآخر الموصل من كابول إلى بشاوار ومتى تم تنقص
المسافة بين المدينتين ثلاثين ميلا.
ومن حسن حظ أفغانستان أن الرجال القابضين على إدارتها الآن وهي في
مفترق الطرق هم رجال ذوو مقدرة مخلصون في مقاصدهم يثق فيهم الشعب لحبهم
لبلادهم، فالسردار محمد هاشم خان رئيس الوزرة وهو أخو الملك الراحل خبير
بالعلاقات مع الدول الأجنبية، وله كل المؤهلات اللازمة لرجل يشغل مثل مركزه
الممتاز، وهو بعد ذو شخصية جذابة بارع في اكتساب مودة زائره - كما أن
السردار فايز محمد خان وزير الخارجية رجل مطلع على الشؤون الأوربية، عليم
باللغات، جم النشاط، وعلمه بشؤون الدول الغربية يسير أبدا مع الوقت، ومحدثه
يستفيد دائما من حديثه. وأما شاه محمد خان وهو أخو الملك الراحل ووزير الحربية
في الوزارة الحاضرة فإن في فطرته تواضع الأكفاء من رجال الجندية، كما أنه
كريم مصقول فيه صراحة.
وقد أتاح لي الحظ أن أجتمع بوزير آخر هو نواز الله خان وزير الأشغال
العامة وهو رجل ذو نشاط لا يخمد، لعب دورا هاما في حملة نادر شاه على باجي
سقا وهذا الوزير ولد في بلاد الهند، وتربى في بلاد البنجاب وهو الإخلاص مجسما
وقلبه يخفق بحب بلاد أفغانستان التي نشأ فيها آباؤه الأولون.
كل هؤلاء الوزراء أعرفهم تماما وأشعر لهم ولمثلهم العليا بأسمى الاحترام
وهم يعملون باتفاق تام لعلمهم أن السكينة والأمن هما أهم ما تحتاج إليه بلادهم، أما
فيما يتعلق بالبلاد الأخرى فلن يكون تغيير في السياسة التي وضعها الملك الراحل.
فحكومة الأفغان تود أن تعيش في صفاء ومودة مع كل جيرانها، وكل من يقول