تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عبد الكريم سلمان، فإن السيد رشيدا - فيما يظهر - لا يراه في الرجال المعدودين،

أو كما قال له شيخنا: إنه ناقم منك أنك لا تعتقد بعلمه، هكذا رواها لي السيد رشيد

نفسه، وكيف كان الحال فمكان الشيخ عبد الكريم لم يكن في هذا الكتاب بالمكان الذي

ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير، ولست أحمل هذا من صاحب المنار على

ضغن مع علمي منه ومن الشيخ عبد الكريم نفسه بأن المودة لم تكن بينهما في صفاء

البلور؛ ولكني أحمله على ما قاله الأستاذ الإمام من أن السيد رشيدا لم يكن يعتقد بسعة

علم الأستاذ الشيخ عبد الكريم، ولولا هذا لوفر له حقه غير منقوص؛ لأن صاحب

المنار - مع ما فيه من الحفيظة - منصف مقسط لا يبخس الناس أشياءهم، وأما أنا

فكنت أعتقد بكثير من علم الشيخ عبد الكريم وأدبه وسلاسة طبعه وحسن إنشائه،

والأستاذ السيد رشيد يقول: إن الشيخ عبد الكريم كان لا يحب السوريين إجمالا؛

وإنما كان يستثنيني أنا من بينهم لفكاهتي، وعبارة السيد هي هذه:

(ثم سبب آخر هو كراهته للسوريين، ولا أستثني منهم إلا الأمير شكيب

أرسلان فإنه حل من نفسه محلا كريما عندما زار مصر؛ لفكاهته الأدبية ونوادره

اللطيفة، على مكانته من حب الأستاذ الإمام وتكريمه إياه، وللدعابة موقع من نفسه

معروف، يعلو بها عنده صاحب المفاكهة وحاضر النادرة ... إلخ) فإذا قرأ الإنسان

هذه الفقرة ورأى ما تكرر فيها من وصفي بالفكاهة والمفاكهة وسرعة البادرة عند

النادرة، تخيل أني أبو نواس عصري، وأني لم أنل من الشيخ موقعا كريما إلا

بمحبة الأستاذ الإمام لي ومحبتي أنا للفكاهة، وحاشا للشيخ عبد الكريم الذي كان

للجد عنده نصيب وافر، والذي ما كان يميل أحيانا للدعابة إلا لتكون له أعون على

الصواب إذا أخذ في معالي الأمور، على نمط من قال: إني لأجم نفسي بشيء من

الباطل ليكون أعون لي على الحق. أقول: حاشا للشيخ عبد الكريم أن يكون كرم

مقامي عنده ناشئا عن حرارة نكاتي مهما كانت رغبته في هذا الشأن؛ وإنما أقول:

إن سر المحبة كامن في أعماق الصدور وأحناء القلوب، وإن الأعمال تزيد منها

وتنقص، وقد تذهب بها بتاتا، كما قد تزيدها أضعافا، ثم إني أشهد للشيخ عبد

الكريم أنه لم يكن على شيء من الشنآن للسيد رشيد، وأنه كان يشهد بفضله، وأنه

قال لي مرة: قد أصفيت له المودة بعد وفاة الشيخ.

وفي هذا التاريخ فصل من قلمي عن أيام الشيخ في بيروت، وليس ذلك بكل

ما كتبته عنه؛ وإنما أخر السيد بقية كلامي إلى الجزء القادم لتعلقها بما ارتسم في

خاطري من أيامه بمصر، وقد روى لي السيد في هذا الجزء أشعارا كنت نسيتها

فنشرها لي بعد الخفاء، وأبرزها بعد العفاء، ووعد بنشر الأكثر من مثلها في

الجزء القادم، فأنا لا أحصي عليه ثناء من أجل هذا اللطف، وإلحاقه بعض

أشعاري بهذا الكتاب عملا بواو العطف، لا سيما أنه لم يبق عندي ولا نسخة واحدة

من ذلك الديوان الذي أسميته (الباكورة) والذي أخرجته إذ كنت لم أتجاوز السابعة

عشرة من العمر.

وأما عدد صفحات هذا الجزء فتربي على ألف ومائة صفحة يمتلئ دماغ القارئ

مما تضمنته من معالي الأمور، وسياسة الجمهور، وتراجم الصدور، ونخب

الفوائد التي تمخضت بها العصور، وليس هذا بالجزء الوحيد في موضوع حياة

الأستاذ الإمام فقد تقدمه غيره وسيتلوه سواه، وكله بذلك القلم الذي دانت له أقاليم

الأقلام، وخضعت ممالك الكلام، أي قلم صاحب المنار الشهير ناشر علم الأستاذ

الإمام، ومخلد مآثره على الأيام، فمن يقدر أن ينشر من مآثره ألوفا من الصحائف

غير صاحب المنار؟ لا جرم أنه كان أبرنا به، وأقدرنا على القيام بالواجب نحوه،

وأحرى تلاميذه بنشر آرائه في العوالم، وبأن يكون بعده مرشدا يضيء النهج والليل

قائم.

(جنيف - سويسرة) ... ... ... ... ... شكيب أرسلان ... ... ... ... ... ...

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٨١