فيها: هذه أصح الروايات وسندها أوثق الأسانيد، ولقد يوردها المؤلف بطرق مختلفة
ويمحصها من جملة وجوه، ويعرضها على محك القياس، ولا يزال ينخلها إلى أن
تبلغ برد اليقين، وأقصى درجات التحقيق المستطاعة للمؤرخين، وإنه ليبلغ به حب
التدقيق أنه يروي عن أستاذه ما قد ينتقده، وما يورد فيه أقوالا أقوى من أقوال الأستاذ
الإمام، فالسيد رشيد في جميع كتاباته ليس عنده أحد فوق الغربال كما يقال، وكأنه
ينظر أبدا إلى قول مالك رضي الله عنه: (ليس منكم إلا من رد ورد عليه إلا صاحب
هذا القبر) يشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا وإنك لن تجد تاريخ الثورة العرابية في كتاب بالبيان الوافي الواضح
المستوفي لشروط النقل والعقل، وتعليل الحوادث بأسبابها، وردها إلى أصولها،
كما تجده في الجزء الأول من تاريخ الأستاذ الإمام.
وفي هذا التاريخ أيضا تواريخ أخرى لا توجد إلا فيه، ولن تكتب بقسط
التحقيق الذي كتبت به، هذا وذلك لمكان صاحب المنار من القرب في الزمان
والمكان، إلى الحوادث المؤرخة وإلى الأستاذ الإمام، الذي كان يومئذ قطب الرحى،
وهي مثل تاريخ نهضة مصر، وتاريخ الأزهر، وتاريخ نهضة الإسلام الحديثة،
ويقظة الشرق الحاضر، وكله مرتبط بعضه ببعض، ومتسلسل تسلسلا مطردا
بطبيعة الأشياء، وكيفما جلت في نواحيه وجدت عاملين كبيرين هما، جمال الدين
ومحمد عبده رحمهما الله، وأنا أقول: إن الله عززهما بثالث هو صاحب المنار!
حفظه الله.
ولا تنس تاريخ سمو الخديو السابق وما فيه من الغرائب والعجائب، وما
يتخلل حوادثه من النوادر، التي مع صحتها ونخلها بمنخل التدقيق لم تخسر شيئا
من فكاهتها، فلم يزدها التحري إلا رونقا. مثال ذك سرور المشار إليه بوفاة
الأستاذ الإمام رحمه الله واستياؤه من حزن الأمة عليه، وعده ذلك تقريبا من ذنوب
الأستاذ، ولم يغفل صاحب المنار في جانب هذه الأخبار، التنويه ببعض حسنات
وأشباه حسنات أذنت بها الأقدار الإلهية على يد سمو الأمير، فكان مذهبه هنا أيضا
مذهب علماء الحديث، فما تحامل ولا دلس، ولا زاد ولا نقص، ولو علم أمراء
الإسلام أن جميع مؤرخيهم هم كالسيد رشيد رضا يحصون عليهم ما حسن وما قبح
لاعتدلوا، وعلموا أن قبل حساب الآخرة حسابا في الدنيا؛ ولكن أضر بأمراء
الإسلام وبالإسلام تدليس المؤرخين، وتزيين المتزلفين، وأكبر الإثم على أولئك
الفقهاء الذين انتظر منهم الشارع أن يقوموا الأمراء وينهوهم عن المنكر، وبحثوا
في وجوه شهواتهم ما كثف من تراب الزجر، فكانوا المعاوين على أهوائهم،
المفتين لهم بما يزيد في إغوائهم. وليس مرادي هنا تخصيص الخديو السابق الذي
قد يكون أحسن من غيره؛ وإنما أريد أمراء المسلمين جميعا إلى من رحم ربك.
والله يعلم أني جادلت الخديو السابق في أمر الشيخ محمد عبده ولم أحابه ولم
أكتم عنه أنه كان متحاملا عليه، ودافعت عن الشيخ عبد العزيز جاويش أمام الخديو
وهو في قصره برأس التين، وذلك عندما كانوا آتين بالشيخ جاويش من الآستانة
إلى الإسكندرية بتهمة المؤامرة على الخديو، ولم أكن لذلك العهد أعرف الشيخ
جاويش؛ ولكني كنت أعرف أن هناك نية للانتقام منه رحمه الله، فانتدبت نفسي
للدفاع عنه، ثم دافعت عنه مرارا بعد ذلك أمام الخديو السابق ولم أقبل في حقه كلمة
واحدة من سموه.
ثم إن في هذا الكتاب من الأخبار السياسية والروايات المأثورة عن أعاظم
الرجال ما يجتمع منه مؤلف مستقل برأسه، كما أن فيه من الفوائد الشرعية، ومن
الحلول الوجيهة للإشكالات الحديثة والمسائل العصرية، ما لا يتأتى في مجموع
آخر، وكيف لا يكون ذلك وصاحب المنار هو فارس هذه الحلبة الذي لا يجاريه
مجار، وإمام هذا المحراب الذي يصلي وراءه الكبار والصغار.
ولم يختلف نظري عن نظره في هذا الكتاب إلا في أمر الأستاذ المرحوم الشيخ