تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

* * *

تعليق

على تقريظ الأمير شكيب لتاريخ الأستاذ الإمام

وأثارة من تاريخ الشيخ عبد الكريم سلمان

أشكر لأخي في البر والوفاء لوالدنا الروحي الأستاذ الإمام، ووليي في خدمة

العرب والدفاع عن الإسلام، ما تفضل به علي من هذا التقريظ، وأجدر بي أن

أفاخر جهابذة الكتاب وموابذة المؤرخين بشهادته لي ولهذا التاريخ، وهو هو أمير

البيان، وأستاذ علماء العربية بالتاريخ الخاص والعام؛ وإنني لعاجز عن إيفائه

بعض حقه من واجب الثناء، مستعيضا عنه بالدعاء، فجزاه الله تعالى عن أخيه

وأستاذهما وعن الإصلاح الإسلامي أفضل الجزاء؛ ولكن لا مندوحة لي عن

الاعتراف بأنه أعطاني فوق ما أستحق من الإطراء، وعن الدفاع عن نفسي تجاه ما

رماني به من التقصير في حق المرحوم الشيخ عبد الكريم سلمان.

أظن أن الأمير لو كان قرأ ما كتبت في شأن الأستاذ الشيخ عبد الكريم لما كتب

ما كتبه؛ فإنني لم أصفه رحمه الله تعالى بقلة العلم؛ وإنما كان الأستاذ الإمام قدس

الله روحه هو الذي علل موجدته علي بأنه يظن في ذلك، ولرأى أنني على شدة

انتقادي لأكبر علماء الأزهر المعارضين للإمام في الإصلاح ولغيرهم في بعض

المسائل العلمية - قد نوهت في مواضع كثيرة بأن الشيخ عبد الكريم كان تربه

وعشيره، وصنوه وظهيره، وثانيه في مجلس إدارة الأزهر وأكبر أعوانه على

أعمال الإصلاح فيه، وكفى بهذا مدحا، وأثبت أنه أمكنه بفضله وذكائه أن يكون

في الذروة العليا من قضاة الشرع في المحكمة الشرعية العليا وهو شافعي المذهب؛

وإنما الحكم في هذه المحكمة بمذهب الحنفية، وما ذكرته مع غيره من خواص

الأستاذ الإمام كحسن باشا عاصم وسعد باشا وفتحي باشا زغلول إلا وقدمته عليهم

في الذكر.

وبينت أيضا أنه هو الذي صنف كتاب (أعمال مجالس إدارة الأزهر) وكان

هذا سرا لا يعرفه غيري، وصرحت أيضا بالمسائل التي علمت أنه انفرد بها من تلك

الأعمال الإصلاحية، وأنه لم يصرح ولا باسم زميله الأستاذ الإمام في الأعمال التي

أسندها إلى بعض أعضاء مجلس الإدارة لإخلاصهما لله تعالى فيها وعدم ابتغائهما

الشهرة، فما عرفت له منقبة في ذلك إلا ودونتها له، والتاريخ ليس بتاريخه، والأمير

لم يثن عليه بأكثر من هذا ولا بمثله، فيما انتقده علي من بخس حقه، فأنا أقر مثله

بكثير من علمه وأدبه وسلاسة طبعه وحسن إنشائه، وأزيد على هذا ما أجملته آنفا مما

فصلته في هذا التاريخ.

وأعظم منه ما ترجمته به في المجلد العشرين من المنار عقب وفاته مفتتحا إياه

بقولي في أثناء شهر شعبان من هذا العام: فجع القطر المصري بعالم من أنفع

علمائه، وأديب من أبرع أدبائه، وكاتب من أبلغ كتابه، وقاض من أعدل قضاته،

أحد أعضاء النهضة الإصلاحية الجمالية، الشيخ عبد الكريم سلمان، تغمده الله

برحمته، ثم ذكرت تعاشره مع الأستاذ الإمام في طلب العلم وتعاونهما في ميدان العمل

، تعاون أخلاء الأصحاب المتفقين في الآراء والمقاصد والآداب، وعاشا ما عاشا

متوادين موادة اللدات والأتراب، ثم فرق الموت بينهما مدة التفاوت في العمر حتى

جمع بينهما تحت التراب - أعني دفنهما في تربة واحدة - فعسى أن يكون هذا مصليا

لذلك المجلي إلى دار الثواب، وأن يجمعنا الله بهما في دار الكرامة يوم المآب. ثم

قلت: لعل الشيخ عبد الكريم كان أذكى ذهنا من الأستاذ الإمام؛ ولكن هذا فاقه ففاته

بالجد والاجتهاد. إلى أن قلت: فكان الأستاذ الإمام البدء من مريدي السيد جمال الدين

وكان هو الثنيان [1] . ولم أدع بعد هذا شيئا من أعماله وسيرته وأخلاقه الحسنة إلا

ونوهت به أحسن تنويه.

* * *

محاولة الإيقاع بين الأستاذ الإمام وصاحب المنار:

وأما مسألة مساعدته لمحاولي الإيقاع بيني وبين الأستاذ الإمام؛ فإنما ذكرتها

لأنها في رأيي من أعظم مناقب الإمام أحسن الله جزاءه، وإنني - وأيم الحق - قد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٨٢