وكتب إليه الإمام كتابا يذكر فيه استبشاره بما رآه في جريدة البرهان دالا على
فوزه ببعض الأعمال، فأجابه سعد عن هذا بقوله:
(إن ظنكم فيما رأيتموه في جريدة البرهان هو الموافق للصواب، ويحق
لحضرتكم السرور بما نال ولدكم، فهو المتربي في نعمتكم، المغترف من بحار
حكمتكم، المحفوف بعنايتكم، المشمول بعين رعايتكم، البالغ ما بلغ ويبلغ من
مراتب الكمال بحسن توجهاتكم، وكريم تعطفاتكم، أدامكم الله لكل خير مبدأ) .
فإذا كان الزعيم السياسي الأكبر يعد نفسه أثرا من آثاره، وشعلة من ناره،
وقبسة من أنواره، وكان يعتقد أن ما بلغه وما يبلغه في المستقبل من المراتب فهو
أثر تربيته، وثمر نعمته، ويمضي كتبه إليه بكلمة (ولدكم أو: صنيعكم) وإذا كانت
الحكومة المصرية قد قررت زهاء مائة ألف جنيه لبناء قبره! ووضع تمثالين
للتذكير بشخصه - أفيكثر منها أو يكبر عليها، أو على الوفد الممثل لسياسته،
والعامل باسم زعامته، أن يقوم بإنشاء مدرسة تنسب إلى اسم أستاذه ومربيه،
وبإعادة تعليمه وتربيته، ونشر رسائله وكتبه؟
كلا، إنه قد آن للأمة وقد صار لها زعماء تنقاد لهم، ومجلس نواب يسيطر
على حكومتهم، وكتاب بلغاء يدعون إلى المصلحة العامة، وخطباء مصاقع يهزون
قلوب الخاصة والعامة - أن تراجع مناقب هذا الإمام التي فصلناها في هذا التاريخ
وتقرر ما يجب عليها من إحياء ذكره والاهتداء بإرشاده، وبناء مدارس التربية
والتعليم الديني والمدني على أسس قواعده، وتتعاون أحزابها وحكومتها على تنفيذ
ما قررته، في الوقت القريب المناسب له؛ فإنها لهي القواعد الحكيمة التي تحفظ
لها عقائدها وأخلاقها، وتكوين بيوتها (عائلاتها) ونماء ثروتها، وترسخ دعائم
استقلالها، وتجعلها قدوة للبلاد العربية والشعوب الإسلامية، التي اعترف عقلاؤها
لهذا الأستاذ العليم وأستاذه الفيلسوف الحكيم، بالزعامة المدنية والسياسية، والإمامة
الدينية، والتوفيق بين الجامعتين الملية والوطنية.
فلو لم يكن لهذه الأمة الفخر على غيرها بظهور هذا الإمام المجدد منها،
لكانت جديرة بأن تتتبع تعاليمه الحكيمة لعظم فوائدها، ولما تعطيها من الزعامة
التي لا تنحصر منافعها منها، وأعيد التذكير بما هي مستهدفة له من خطر الانحلال،
المهدد لما نالته من مبادئ الاستقلال، بانتشار المفاسد المادية، والفوضى الأدبية،
والانغماس في الشهوات، والإسراف في اللذات، المفني لثروة البلاد، المضني
لصحة الأجساد، المزهد في الزواج، المضعف للإنتاج.
بل أذكرهم بما لا يعزب عن علمهم من اضطراب العالم كله بهذه الفوضى
التي ثلت أكثر عروش الممالك، وأشعلت نار الفتن الداخلية في كثير من الأمم،
وغاضت ينابيع ثروة غالب الدول، وأنذرت الروابط الاجتماعية بالانحلال،
وعرى الشعوب الموثقة بالانفصام، وثروة الأقوام الغنية بالزوال، ثم أذكرهم بأنهم
لا يثبت في مهب هذه العواصف إلا الراسخون في الإيمان، ولا يصبر على هذه
القواصف إلا المعتصمون بمتانة الأخلاق، وهو ما مهد مسالكه الأستاذ الإمام، وجعل
تناوله على طرف التمام.
بل حدث في هذه الأعوام بوادر انقلاب عام، يرقبه الحكماء ويشعر به
البصراء، وقد فطن له بعض أذكيائنا في سياحته في أوربة، وهو الشعور بشدة
الحاجة إلى هداية الدين، وكونه العلاج الوحيد لهذه الأدواء الاجتماعية الوبائية من
إباحة الأعراض، وفوضى الآداب، وعبادة المادة والشهوات، والتنازع السياسي،
والنظام البلشفي، التي تنذر الشعوب زوال الحكم الديمقراطي، وانهيار النظام
المالي والرأسمالي، بل تهددها بحرب شر مما قبلها، كالريح المقيم تدمر كل شيء
بأمر ربها، وقد وصف هذا الذكي ما رأى وروى عن أوربة من درء هذا الخطر
بالدين، وتمنى لو يظهر الدين الواقي للحضارة الحاضرة من مصر؛ لكن فضلاء
العقلاء في مصر يرون أن بلادهم أشد حاجة إلى هذا العلاج من أوربة؛ فإن هذا