تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويرغبه في حبس عقار أو أطيان تفي بنفقتها - لفعل.

سكت أصحاب النفوذ والجاه من أصدقاء الأستاذ الإمام عن القيام بالواجب له

عليهم؛ ولكن الرجل حي لا يموت، ولا ينسى فضله في أمة يعلو فيها قدر العلم

والحرية، ويزداد فيها السعي للحياة القومية والوطنية.

فهذه مدرسة الجامعة المصرية، التي عارض وجودها وجود المدرسة العبدية

الإمامية، قد أعادت منذ بضع سنين الاحتفال بذكراه، فقام به فيها لجنة مؤلفة من

نابغي علماء الأزهر وبعض الوجهاء ومدرسي الجامعة، فحرك عملهم الجرائد

لإعادة التنويه بذكره، وتعطير الآفاق بذكي نشره، وتبرع الشيخ عبد الرحيم باشا

الدمرداش في أثناء ذلك بما يؤتي الجامعة غلة سنوية كافية لنفقة إنشاء كرسي لعلم

الأخلاق تخليدا لذكرى الأستاذ الإمام فيها، وتلا ذلك اقتراح كثير من فضلاء الأمة

لإحياء ذكره، فأشار بعضهم بترميم داره في عين شمس وجعلها من معاهد العلم

والأعمال الخيرية العامة، وبعضهم غير ذلك.

ولما أسندت مشيخة الأزهر ورياسة المعاهد الدينية إلى صاحب الفضيلة

الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي وهو من خواص تلاميذ الأستاذ

ومريديه في العلم والعقل والأخلاق، ألف في دار الإدارة العامة للمعاهد لجنة خاصة

لأجل البحث في أمثل الطرق لإحياء ذكره في الأزهر وغيره، وجعل أعضاءه من

تلاميذه الأزهريين وسواهم، ومنهم مؤلف هذا الكتاب، فاجتمعت اللجنة مرارا،

وكان من سوء الحظ - كما يقال - أن استقال هذا الأستاذ من المشيخة ورياسة المعاهد

الدينية قبل أن تفرغ من المساعي التمهيدية وتقرر ما يجب تنفيذه وينظم في سلك

الأعمال الرسمية.

وأخيرا قرر مجلس مديرية دمنهور إرسال بعثة علمية إلى ألمانية باسم الأستاذ

الإمام لأجل الإخصاء في علوم فلسفة الأخلاق والتربية والاجتماع، وجددت إدارة

المعاهد الدينية تقرير قراءة رسالة التوحيد درسا في الأزهر وملحقاته؛ وإنما كان

هذا لكثرة فوائدها، لا لإحياء ذكر مؤلفها.

لكن هذا شيء قليل على الأمة المصرية، وقد صارت أمة ذات رأي ووحدة،

وبذل في سبيل المصلحة العامة، وكان قطب رحى وحدتها، والعامل الأكبر في

جمع كلمتها، والزعيم الأكبر لها فيها، هو تلميذه وربيبه الأول سعد باشا زغلول،

فمنه تلقى هذه الأفكار، ومن زنده استورى هذه النار، إذ تربى في حجره بالدرس

والتفكير والقول والعمل، وكان أوفى مريديه وأصدقائه له في زمن محنته، وأشدهم

حنينا إليه في مدة غيبته، وأشوقهم إلى اتباعه واللحاق به، وقد نشرنا بعض

مكتوباته إليه في منفاه ببيروت وفيها التصريح بهذه المعاني، وإننا نثبت هنا صورة

شمسية من خطه للكتاب الذي تقدم نشره في صفحة (275) فمن لم يستطع قراءته

هنا لتصغير كلمه فليقرأه هنالك، وننشر صورا لمكتوبات أخرى له بخطها الأصلي

في آخر الكتاب.

كلمات من مكتوبات

سعد باشا لأستاذه الإمام

كان الإمام كلف سعدا بعض الأعمال، ومنها إرسال أثاث من بيته بمصر إلى

بيروت فقام بذلك خير قيام، فأثنى عليه بكتاب فقال سعد في جوابه:

(إني وما أعمل من خير مما صنعت أيدي مكارمكم، فلا أستحق شكرا ولا

حمدا، بل إن كان هناك ما يدعو إلى المديح فالحمد راجع إليكم، والشكر عائد

عليكم، وإني أعد الفخار كل الفخار في خدمة جنابكم العالي، وأجد تنبيهي إلى

القيام بأي خدمة نعمة سامية من حضرتكم لا أقدر على الوفاء بواجب شكرها،

وعلى هذا فمولاي يرى في إسناد التفضل والتكرم والإحسان إلي زيادة تنازل منه لا

أرى نفسي جديرة بها، وعهدي بالمولى الجليل أن يتحرى بكراماته موقع الاستحقاق.

وأظن أن حضرته يذكر أني في يوم من الأيام التي نزلت بها في بيته ذاكرته

في هذا المعنى، ورجوت من مكارمه أن يجعل طلبه أي أمر مني بصيغة الأمر

لا بلفظ الرجاء، فإني أرى في الأمر الأول فوائد ترتاح نفسي إليها لا أراها في

الثاني) .

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٤٩