تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوباء يفتك بها وهي أقل مناعة وحصانة ممن سرت إليها العدوى منهم، وإنما

تفضلهم بأن العلاج موجود فيها وهي في غفلة عنه، بل لما تشعر بالحاجة إليه،

وهو القرآن، وما بينه من سنة محمد عليه الصلاة والسلام.

تنبأ حكيمنا هو وأستاذه منذ نصف قرن بأن شعوب أوربة ستشعر بالحاجة إلى

الدين المصلح المعقول، فتطلبه فلا تجده إلا في القرآن فتأخذه بقوة كعادتها، حتى

لا يبعد أن يضطر المنسوبون إليه منا أن يعودوا إلى طلبه منها (راجع ص939)

فإن كانت مصر تريد أن تكون أهلا لإنقاذ أوربة من فوضى الإباحة والمادية التي

تتردى هي فيها من ورائها؛ فإنها تجد الوسيلة إليها في تعاليم إمامها، فلتسبق إليها

وتجربها في إنقاذ نفسها.

وها هو ذا أكبر رجال الدين فيها عقلا، وأسدهم رأيا، وهو الشيخ محمد

مصطفى المراغي الذي ظهر نبوغه في أرقى المناصب الدينية، فكان قاضي قضاة

السودان فرئيس المحكمة الشرعية العليا بمصر، فشيخ الأزهر ورئيس المعاهد

الدينية، فقام به خير قيام، ها هو ذا يفتيها بترسم خطوات الأستاذ الإمام وهذا نص

ما كتبه في ذلك:

(أعتقد أننا إذا جاوزنا عصر السلف الصالح لا نجد رجلا رزق فهما في

هداية القرآن، ووسع صدره أدق معانيه الاجتماعية والعمرانية مثل الإمام محمد

عبده، ولقد وهبه الله شروط الإمامة الدينية جميعها، كما منحه البصر في أمور

الدنيا، ومن الحق على المسلمين أن يترسموا خطواته بالإصلاح الديني والدنيوي،

إذا أرادوا إعزاز دينهم، ورفعة أتباعه في دنياهم) .

وإنني أختم هذا الكتاب الذي قضيت به دينا أدبيا كبيرا كان على مصر بتدوين

تاريخ الإمامين المجددين اللذين يرجع إليها فضل نهضتها المعنوية، كما يرجع إلى

محمد علي الكبير فضل نهضتها المادية، باقتراحي عليها قضاء الدين الآخر الذي لا

قبل لي به، وهو العمل بما أرشد إليه الحكيمان بالتربية والتعليم، وإحياء ذكرهما

بتعميم تاريخهما وآثارهما، وإنشاء مدرسة لذلك باسم الأستاذ الإمام، وترميم داره

وجعلها من المنافع العامة، فهذا دين يجب على مصر أداؤه على اختلاف أحزابها

ومذاهبها ومشاربها؛ لأن الإمام كان للجميع باتفاق الجميع.

أحمد الله عز وجل أن أديت الأمانة، وبلغت الوصية، ووفيت حق أستاذي

وصديقي، ونصحت لأمتي ووطني، وهو كل ما أملك مما فرضه علي ربي لملتي

﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب﴾ (هود: 88) وسلام على المرسلين، وعلى من اصطفى من عباده المصلحين،

والحمد لله رب العالمين.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٢ · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٢ · ص ٥١