سفرهما عقدا في دار الأول اجتماعا حضره من أصدقائه الشيخ عبد الكريم سلمان،
والشيخ عبد الرحيم الدمرداش، وحسن باشا عاصم، ومحمد بك راسم، وقاسم
بك أمين، ومحمد رشيد رضا - الكاتب لهذا - فقرروا أولا أن يشتركوا معي في
الرأي ويساعدوني على ما أعلنته من عزمي على تأليف تاريخ له وعلى نشره كما
يراه القارئ في مقدمة هذا الكتاب، ثم اجتمعوا وتشاوروا فيما يجب أن يعمل لإحياء
ذكره، فأجمعوا الرأي على إنشاء مدرسة كلية تنسب إليه وتكون التربية والتعليم
فيها على رأيه، وهو ما كان يسعى له بعد تركه للأزهر، ويكون المنفذ لخطته فيها
صاحب المنار.
وإذ كانوا يعلمون أن سلطة الاحتلال تحسب لهذا العمل منهم كل حساب،
عهدوا إلى أحمد فتحي أن يقابل لورد كرومر ويذكر له هذا القرار، ويسأله عن
رأيه فيه، لكيلا يكون على ريبة منه، ويجيئهم بما يسمعه منه في جلسة أخرى
عينوا موعدها، فلما وافوها لميقاتها قال لهم: إن اللورد أظهر الاستحسان لهذا
الرأي، ولكنه قال: إن من الحكمة أن يبدأ بهذا العمل صغيرا، ثم يصعد فيه على
سلم التدريج، وأن يجري فيه على خطة مدرسة عليكره في الهند التي أسسها
المرحوم سيد أحمد خان الشهير، وساعدته عليه الحكومة الإنكليزية، حتى صارت
المدرسة كلية، قال: ووعد اللورد بأن يطلب لنا من حكومة الهند نظام هذه المدرسة
ومنهاج دروسها، لنأخذ منه ما نراه موافقا للمدرسة التي نريدها.
فهمت اللجنة من فحوى رد اللورد أنه لا يرغب فيما ترغب هي فيه من إنشاء
مدرسة كلية راقية على مذهب الأستاذ الإمام، الذي اعترف هو بفضله ونبله،
ووطنيته الصادقة، وخدمته للمصلحة العامة، التي قال فيها: (إن الأوربيين ما
فضلوا المصريين إلا بكثرة رجالها) وباعتدال حزبه بين الأحزاب الإسلامية،
وجمعه بين أسباب الحضارة والمحافظة على أصول الدين الإسلامي، وفهمت منه
أيضا أنه يبغي أن تكون المدرسة العبدية، كما يحب هو وترضى دولته أي كالمدرسة
الهندية.
استاءت اللجنة من هذا الرد ولم يثنها الاستياء عن عزمها، بل فكرت في
جمع المال لإنشاء المدرسة بصفة مصغرة، كما قال اللورد لأنه هو الممكن،
وانتظار مواتاة الزمان لتكبيرها، ورأت من الشيخ عبد الرحيم الدمرداش المثري
أريحية للبدء في التبرع للمشروع، فقويت العزيمة حتى أن اللجنة عهدت إلي
بالبحث عن دار صحية لتستأجرها للمدرسة، ففعلت.
ولكن حدث أثناء ذلك أن تبرع مصطفى كامل بك الغمراوي بخمسمائة جنيه
لمشروع ومدرسة جامعة مصرية، وعهد إلى سعد باشا زغلول بأن يتولى الدعوة
إلى التبرع والسعي لتنفيذه هو ومن يختاره من أصدقائه وغيرهم، فقبل وألف لجنة
لذلك سمي هو وكيلها، وتركت الرياسة ليختار لها أحد الأمراء.
وتلا هذا أن ولي سعد باشا وزارة المعارف العامة، فاضطر إلى ترك لجنة
الجامعة المصرية، واختير صديقه قاسم بك أمين وكيلا للجنة وإدارتها مكانه، وكان
ذلك بعد سنة من التصدي لإنشاء المدرسة باسم الأستاذ الإمام، فلم يبق لهذا
المشروع من يشتغل به، وكاد هذا الرجل العظيم ينسى هو وأستاذه السيد جمال
الدين، لولا تنويه المنار به في كل جزء من أجزائه، وتنويهه بالسيد أيضا في
بعض الأجزاء ونشر بعض آثاره المطوية، وطبع الجزء الثاني والثالث من هذا
التاريخ، وقضى الله تعالى أن أرجئ إتمام الجزء الأول منه المفصل لترجمته، بما
يرى القارئ أسبابه في مقدمته.
ولولا أنني من أضعف خلق الله تعالى في السعي لجمع المال، وإن كان
المراد به شريفا ونافعا، لما تركت السعي لإنشاء المدرسة، وقد كان أقرب الوسائل
إليه في السنين الأخيرة توجه قلب محبه الشيخ عبد الرحيم الدمرداش رحمه الله
تعالى إلى البذل للمنافع العامة، فلو وجد في هذه الحالة أحد من كبراء حزب الأستاذ
الإمام المدني يزين له إنشاء المدرسة التي كان من أعضاء اللجنة التي قررتها،