صفات قائمة بها كما يعتقد المسلمون - يقتضي أنهم يقولون بتشخصه تعالى، فأعلمه
الأستاذ الإمام بأننا نقول إنه موجود ولا نقول إنه شخص مشخص، بل نقول إنه لا
يدرك كنهه، ففهم الفيلسوف كلامه ودهش من الإعجاب به كما يقول مستر بلنت؛
ولكن مستر بلنت لم يفهم كلامه كما فهمه الفيلسوف، ولذلك سأله بعد الخروج من
عنده عن علمه تعالى بالجزئيات فأثبته له، وسأله عن قدم المادة كقدمه تعالى وادعى
أنه أثبتهما معا، ونحن نجزم بأنه لم يفهم جوابه لضيق الوقت عن إيضاحه فأخطأ
في بيانه.
والراجح عندي في سبب ما فهمه مستر بلنت من قدم المادة أن الأستاذ الإمام
أراد أن يكشف له شبهة الماديين في اعتقادهم قدمها، وهي استحالة وجود شيء من
العدم - أو شيء من لا شيء كما يقولون - ثم يبين له حجة المسلمين على حدوثها،
فوافقه أولا على أن العدم لا يكون مصدرا للوجود، بل بين له كما بين لنا في
دروس المنطق بالأزهر أن العدم لا حقيقة له في نفسه؛ وإنما هو أمر اعتباري
فرضي محض وإنما الشيء الثابت هو الوجود، وإن الوجود المطلق أزلي أبدي لأن
مقابله وهو العدم المطلق محال لا يمكن ثبوته ولا تحققه ولا تصوره ولا تخيله؛
وإنما يتصور الذهن العدم الإضافي وهو نفي نسبة موجود إلى موجود كعدم وجود
شمسين وقمرين لهذه الأرض، فتوهم الرجل من هذا أن وجود المادة قديم لأن العدم
محال.
ثم أخذ الأستاذ الإمام يبين له أن الوجود قسمان: وجود واجب لذاته، ووجود
ممكن لذاته، ومن الثاني أعيان العالم المادي الذي نعرفه بحواسنا ونقيس ما لم
ندركه منها على ما أدركناه، فمنه ما نرى بأعيننا حدوثه بعد إن لم يكن، ومنه ما
نعلم حدوثه بالأدلة كهذه النجوم والكواكب اللامعة فوقنا، فلا يوجد عالم من علماء
المادة أنفسهم يقول إنها قديمة أزلية، ومعنى كونه كله ممكنا أن ذاته لا تقتضي
الوجود في نظر العقل لثبوت سبق أعيانها بالعدم ولا فرق في نظر العقل بين
أعيانها المركبة من عنصرين أو عدة عناصر وبين عناصرها البسيطة، وكل ما لم
يكن وجوده من ذاته لذاته لا لعلة خارجة فلا بد له من علة وسبب يهبه الوجود،
وهذا السبب لا يمكن أن يكون عدميا؛ لأن العدم لا ثبوت له في ذاته فيكون سببا
لوجود غيره، فوجب أن يكون سبب وجود الممكنات كلها هو الوجود الواجب أي
الذي له الوجود لذاته لا لعلة أخرى، وهو الذي لا يتصور عدمه، وهو الله عز
وجل.
هذا هو البرهان العقلي عندنا على حدوث العالم كله، وكأني بالأستاذ الإمام قد
ذكره لصديقه مستر بلنت مختصرا في طريقهما من دار الفيلسوف سبنسر إلى
المحطة فلم يفهمه منه ولكن بقي في ذهنه قوله إن العدم لا يكون منشئا ولا سببا
للوجود، وتوهم أنه يستلزم أن تكون المادة قديمة أزلية كالخالق تعالى وهذا محال.
أزيد في بيان الموضوع أن الله تعالى قال في الاحتجاج على المعطلين: {أم
خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} (الطور: 35) أي لا يمكن أن يكونوا
خلقوا من غير شيء (أو من لا شيء كما يقال) لأن العدم لا يكون سببا ولا
مصدرا للوجود، ولا يمكن أن يكونوا هم الخالقين لأنفسهم ولا لغيرهم، وهذا مما لا
ينكرونه، فيتعين أن يكون الخالق لهم هو الله واجب الوجود لذاته، وما يصدق
على المخاطبين بهذه الحجة يصدق على غيرهم من الممكنات الوجود عاقلها وغير
عاقلها كعناصر المادة بالأولى، وإذا أمكن الجدل والمراء في جزئيات الممكنات فلا
يمكن المراء في جملتها، وإنني أذكر هنا عبارة رسالة التوحيد في ذلك لأستاذنا
وهو قوله بعد بيان حقيقة الواجب والممكن والمستحيل ما نصه:
(جملة الممكنات الموجود ممكنة بداهة، وكل ممكن محتاج إلى سبب يعطيه
الوجود، فجملة الممكنات الموجودة محتاجة بتمامها إلى موجد لها، فإما أن يكون
عينها وهو محال لاستلزامه تقدم الشيء على نفسه، وإما أن يكون جزأها وهو
محال لاستلزامه أن يكون الشيء سببا لنفسه ولما سبقه إن لم يكن الأول، ولنفسه